الاثنين، 6 أكتوبر 2014

المحاصصـة الطائفيـة والتوافقية والصعـود بنيــة الانتحـار


المحاصصـة الطائفيـة والتوافقية والصعـود بنيــة الانتحـار

 
فارس حامد عبد الكريم

مقدمة:الطائفية ليست من شيمنا                                  

الإسلام دين التسامح والرحمة حقاً، شع بنوره على جل الأمم، فعاشت الشعوب والقبائل والطوائف في ظله بأمن وسلام دون تعصب، ومارس أهل الذمة (اليهود والنصارى والصابئة وغيرهم ) حياتهم الطبيعية بعد ان حَرمت الشريعة الإسلامية المساس بأموالهم ودمائهم دون وجه حق، واحترمت شرائعهم وتقاليدهم فيما بينهم طوال التاريخ الإسلامي ، وأُنزل القصاص بمن اعتدى عليهم ولو كان المعتدي من المسلمين.

 وفي هذا المقام يقول الرسول عليه أفضل الصلاة السلام : (من آذى ذميا فقد آذاني) ومن ثم يقول: (من آذى ظلماً يهودياً أو نصرانياً كنت خصمه يوم القيامة).

وعند ما جاء رسل نجران المسيحيون إلى المدينة ليفاوضوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ، اقتسم الرسول عليه الصلاة والسلام معهم نصف مسجده ليؤدوا فيه صلواتهم الخاصة بهم. ومرت ذات يوم جنازة ليهودي أمام الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فقام احتراماً لها، فقيل له: إنها جنازة يهودي،فرد قائلاً: (ولم لا، أليس إنساناً).

وأوجب الإسلام على بيت المال الإنفاق على العاجز عن الكسب وعلى الشيخ الفاني ولا يفرق الإسلام في ذلك المقام بين المسلم وغير المسلم.

كل هذا رغم موقف القرآن ممن دخلوا في حمايته وأمانه : (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم)(1). وهذه كلمة حق من وجهة الإسلام ولكن لا يترتب عليها اثار عدائية ، فيبقى الانسان معزز مكرم في ظل الإسلام ولو كان كافراً ، كما هو واضح من الآية الكريمة.

ومن أروع الأمثلة على هذا التسامح الفكري الفذ ما جاء في فتوى علماء الشريعة ، فيما اذا تنازع الأب المسلم والأم غير المسلمة على حضانة الطفل ، فلمن تكون الحضانة ؟ أتكون للأب الذي يعيش هو وطفله بين المسلمين ام للأم التي ستقود طفلها للعيش بين ظهراني غير المسلمين؟، فأفتى جل علمائنا بان الحضانة تكون للام ولو كانت نصرانية او صابئية او يهودية ، وأسسوا حكمهم على اساس ان سبب إقرار الحضانة للام المسلمة هو حنان الأم وليس دينها.وحنان الأم موجود لدى كل أم سواء كانت ذات دين او لم تكن ، فتكون الحضانة لها.

ولم يردنا عبر التاريخ أية رواية سواء عن طريق المسلمين او غيرهم عن ان المسلمين فرضوا الإسلام بحد السيف او عن طريق الإرغام او القهر مطلقاً، وفي هذا يقول الله تعالى مخاطباً الرسول الكريم: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(2).

في الوقت الذي كانت تغرق فيه أوربا ومجاهل أسيا في سبات عميق وجهل مطبق ، ولم كن للغريب فيما بينهم أية مكانة اجتماعية ،او أية حقوق ، فكان الغريب يقتل او يأسر او يباع ويشترى...

وكان ولاة أمر المسلمين في العصور الاولى يحرصون على اختيار الفقهاء وذوي العلم والمعرفة بأمور الدين والدنيا لتولى المناصب العامة ، وهكذا امتدت الأمة الإسلامية لتغطي مساحات شاسعة من المعمورة ، المعروفة في ذلك الوقت ، بعد ان تمكن أولئك الرجال العظام من إقناع شعوب بأكملها على اعتناق الإسلام.

ولم تعرف الأمة الإسلامية التعصب والطائفية الا في عهودها المتأخرة ، فدب الخلاف والنزاع بين أبناء الدين الواحد واقتتلوا واحل بعضهم دم البعض الآخر ، وان بقى أهل الذمة في مأمن من هذا الصراع الشاذ ،وأصبحت المناصب لأصحاب الولاء والأقارب والأولاد او تباع وتشترى ،وهكذا انتقلت حضارة التسامح والسلام الاجتماعي تدريجياً الى الغرب ،حتى بتنا ننظر إليها اليوم بعين الاعجاب والحسد .

 وتؤكد الروايات التاريخية المتواترة على ان الغرب قد استفاد في نهضته الكبرى المعاصرة  من علوم وأفكار المسلمين ايما فائدة وفي كافة المجالات العلمية والقانونية والفلسفية ، وكانت مؤلفاتهم تدرس كعلوم معترف بها في الجامعات الأوربية الى عهد قريب ، وهي تدرس ليومنا هذا كجزء من تاريخ العلم والمعرفة ،وكان يقرن اسم العربي أو المسلم بالحكمة وحسن التدبير ، فكانوا من أفضل المستشارين.

ان النهضة الأوربية ابتدأت عندما تركت الخلافات المذهبية والطائفية وتم تحكيم صندوق الانتخابات ، ولو كانت المحاصصة او ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية هي الأفضل لما ترددوا في الأخذ بها ، ومع تنوع الطرق الانتخابية ،ولكنهم وعلى سبيل المثال شكلوا حكومات من حزب بمفرده فاز في الانتخابات وحصل على أعلى نسبة من الاصوات ولم تتجاوز نسبة فوزه أكثر من 30 %. بينما جلس الآخرون على مقعد المعارضة الايجابية ، أي المعارضة التي لا تحركها الا المصلحة العليا للوطن.

مضمـون المحاصصـة: للمحاصصة عدة مظاهـر

المحاصصة التوافقية نظام سياسي مؤقت يخرج عن بعض القواعد العامة في العمل الديمقراطي يقوم مضمونه في الظاهر على اساس توزيع المناصب الوظيفية بين مكونات المجتمع القومية اوالدينية اوالطائفية اوالسياسية على اساس نسبة المكون الاجتماعي العددية الى المكون الاجتماعي العام ولو لم تحقق تلك المكونات نتائج ايجابية في الانتخابات تؤلها للانتقال من كرسي المعارضة الى كرسي الحكم.

اما المحاصصة الطائفية فتقوم على اساس، توزيع المناصب الوظيفية وفقاً لمعيار الانتماء لطائفة معينة على أساس نسبة الطائفة العددية الى المكون الطائفي العام.

ونظام المحاصصة وفقاً للمعنى  الاخير نظام شاذ بين الانظمة السياسية المقارنة ، حيث يندر اللجوء اليه في المجتمعات الصحية ، لما يترتب عليه من اثار سلبية مدمرة على الدولة والمجتمع ، ذلك ان المحاصصة وليدة النظرة الطائفية الضيقة والتعصب الاعمى وعنوانهما المنمق، وبينهما تنمو وتطفو على السطح مسببة تدميراً شاملاً للبنية الاجتماعية بكل عناصرها ومكونتها وتخلف ورائها مجتمعاً بائساً لا ينفك غارقاً في محاورات وجدل عقيم لا ينتهي ، مسببة في المزيد من الضحايا ، ويغدو القتل احد اهم الوسائل لنيل المنصب وإزاحة الخصوم في كل مرافق الدولة.

ولاشك ان الامور ستتعقد أكثر اذا كان المطلوب من نظام المحاصصة ان يجمع بين عدة أنواع للمحاصصة ، كالمحاصصة السياسية والمحاصصة القومية فضلاً عن المحاصصة الطائفية.

وهكذا فان المواطن الموهوب او ذو الكفاءة ومن سهر الليالي ليحصل على أعلى الدرجات العلمية لن يجد له مكاناً حتماً في وسط هذا الصراع الدموي الذي ولا شك، سينأى بنفسه عنه وعن رموزه. وهكذا تتوقف عجلة التطور ويسير المجتمع نحو التخلف والحرمان ونقص الخدمات، وخلاصة الأمر ان التوافقية يلجأ إليها في أحوال وظروف معينة إلا ان الاستمرار بها يشل حركة الدولة.

آثار المحاصصـة

تولد المحاصصة السياسية القائمة على اساس العنصر او الطائفة او أية معايير أخرى مشابهة أثار سلبية متعددة،ويمكن تلخيص اثار المحاصصة على النحو الآتي:

1 ـ  المحاصصة عائق أمام التقدم والتطور الاجتماعي التلقائي والمدبر:

يعمل النظام الاجتماعي السليم على إبراز عوامل التقدم والتطور اما بطريقة تلقائية او بطريقة مدبرة.

ونظام التطور التلقائي الحر تحتضنه وترفعه عوامل التحضر ومشاعر الاعتزاز الوطني الكامنة في النفوس ، فان برز في بيئة محلية معينة عالم موهوب او كاتب في مجال معين او شاعر او أديب ، تراه يصبح محل اعتزاز وتقدير من ابناء مجتمعه ، ومن ثم يعملون على تداول ونشر أفكاره وإبداعاته بين المجتمع الوطني الأكبر ليصل في النهاية الى المكانة الاجتماعية والرسمية المرموقة التي يستحقها .

الا ان وجود نظام المحاصصة سيكون بمثابة العصا التي توضع في دولاب التطور التلقائي الحر، فالفئات الاخرى من الطوائف والمجموعات الاخرى لن تقبل فرداً من خارج نطاق فئتها ولو كان موهوباً، ولن تدعمه وربما تحاول الانتقاص او النيل منه ، وقد يكون عرضة للتصفية الجسدية من منافسين اقل منه درجة ومستوى.

بينما يعمل نظام التطور او التطوير المدبر على اساس خلق مؤسسات تعمل على رعاية وإبراز عوامل التطور في المجتمع واحتضان الموهوبين ، مثل مؤسسات الرعاية العلمية ودوائر البعثات العلمية الخارجية ومؤسسات دعم الابتكار والجمعيات والمؤسسات الادبية والفنية.

بينما يعمل نظام المحاصصة الطائفية على تفتيت هذه المؤسسات الى مؤسسات فئوية ترعى فئة معينة من المجتمع ، فتكون سلماً يصعد عليه ذوي المكانة الطائفية الأعلى في المجموعة او ابنائهم او حاشيتهم  بينما يبقى الموهوب الحقيقي في أخر السلم، حيث ان للمحسوبية والمنسوبية اليد الطولى في مثل هذه الانظمة كما سبق البيان.

2ـ المحاصصة تعطل العملية السياسية وتعيق جهود التنمية والاعمار:

ان من أهم مميزات النظام السياسي الديمقراطي هو وجود المعارضة المشاركة في العمل السياسي من خلال البرلمان، وهي بهذا المعنى جهة رقابية على الحكومة تنتقد ادائها وتقومه وتنبها إلى مواطن الخلل، إلا نظام المحاصصة التوافقية او الطائفية يلغي دور المعارضة من الناحية الواقعية، لان لها قدما في الحكومة وقدما في المعارضة، ومصالح مع الحكومة تحجم من دورها الرقابي، كما ان تعارض المصالح المتوقع يخلق مشاكل دائمة وصراعات مريرة تنعكس في النهاية على ابناء الشعب.

ومن جانب آخر لن تكون المحاصصة السياسية وسيلة للتنافس بين الطوائف المختلفة على تقديم أفضل الخدمات للمواطنين ابداً ، ولو كانت كذلك لكانت في أروع حالاتها .

ذلك ان وسيلة المحاصصة للضغط وكسب المزيد من المزايا ، هو تعطيل العملية السياسية ، ومحاولة إثبات ان من يقود العملية السياسة ،وهو من فئة أخرى، هو فاشل ،بل السعي الحثيث لإفشاله ، مقتنعين ان أي انجاز لصالح العملية السياسية سيحسب لصالح تلك الفئة التي تقود العملية السياسية ، وهكذا يسود التباطؤ والركود عملهم متذرعين بمزاعم وحجج شتى لا تنتهي ابداً، ذلك ان التعصب في حقيقته ومعناه ما هو الا الإيمان الجازم بالاعتقاد الشخصي الذي لا يقبل مجادلة وبأن اعتقادات الآخرين باطلة.

3 ـ تأكيد المحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق:

نظام المحاصصة الطائفية أفضل وسيلة وبامتياز لنمو وترعرع المحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق ، فهو وان كان في ظاهره يبدو وكأنه يدعم افراد طائفة معينة ، الا انه دعماً مزيفاً ليس الا ، فما هو في حقيقته الا توزيع للمغانم بين كبار افراد الطائفة او الحزب بينما يبقى الحرمان هو الحقيقة المرة التي تنال من باقي افراد الطائفة او الحزب ، ولو كانوا على قدر كبير من الكفاءة والموهبة.

وهكذا توزع المناصب بين الأقارب والمحسوبين والمنسوبين وأبناء كبار رجالات الطائفة او الحزب وأصهارهم وكل من تربطهم به علاقة قرابة او رابطة حزبية.... وإجراء إحصائية بهذا الصدد في الدول التي تتبنى هكذا أنظمة ستكشف حتماً كيف تغلغلت شبكات العوائل في دوائر الدولة.

4 ـ استبعاد خطاب الكفاءات العلمية الوطنية:

يندر ان ينضم  اغلب أصحاب الكفاءات وحملة الشهادات العليا الى حزب سياسي او تجمع طائفي ، لتعارض ذلك في اغلب الأحيان مع الروح العلمية المحايدة المستقلة.

ومن ثم لن تكون أمامهم الفرص واسعة للمساهمة في تطوير المجتمع وتنويره ، بالنظر لاستحواذ التجمعات السياسية والطائفية على منبر الخطاب السياسي والاجتماعي بما يمتلكونه من إمكانيات مادية ودعم إعلامي واسع في وسائل الإعلام والقنوات التلفازية والإذاعية الخاصة بكل حزب او طائفة ومن الطبيعي ان لا يكون المنبر الخطابي متاح لغيرهم من الأكاديميين المستقلين، فيخسر المجتمع خطاباً تنويرياً مهماً ، ويحصل على خطاب حزبي او طائفي ضيق كل همه دعم الوصول الى السلطة لا غير، فالتعصب هو استبعاد الآخر اصلاً.

5 ـ المحاصصة تخل بمبدأ مساواة المواطنين امام الوظيفة العامة:

الوظيفة العامة أمانة ثقيلة ومسؤولية كبرى ، الهدف منها خدمة ابناء المجتمع وحمايتهم من المخاطر الداخلية والخارجية ومساعدتهم على تحقيق أمانيهم وتطلعاتهم المشروعة .ووسيلة تحقيق كل ذلك هو الموظف العام.

وعلى النحو تلجأ الدول بصورة عامة الى تهيأت الوسائل الكفيلة بحسن اختيار الموظف وتطويره على مر الزمن ، وافضل وسيلة هي اعتماد الدرجة العلمية التي حصل عليها المتقدم للوظيفة وإجراء امتحان الكفاءة للمتقدمين الجدد للوظيفة العامة، وهذه ولاشك معايير ناجعة تقوم على اعتبارات موضوعية . وتتيح لأصحاب المراكز القانونية المتشابهة فرصة المنافسة الشريفة للحصول على الوظيفة او المنصب. بينما يعمل نظام المحاصصة على اساس المحسوبية المنسوبية والولاء الحزبي. فيتم اختيار الموظف العام على اساس درجة القرابة اولاً والانتماء الحزبي ثانياً .بل قد تتجه السياسة التوظيفية الى ازاحة القائمين على الوظيفة العامة واحلال المحسوبين والمنسوبين محلهم، وعلى هذا النحو يهدر مبدأ ( الرجل المناسب في المكان المناسب ) حتماً.

6 ـ المحاصصة وليدة الطائفية والتعصب الاعمى وعنوانهما المنمق:

 والتعصب تعبير عن أمراض نفسية كامنة في دواخل النفس البشرية.

وعلى هذا النحو فان المحاصصة قد تتيح لبعض المرضى تسلق السلطة وتنفيس العقد تجاه المواطنين.

وعلى هذا النحو يذهب الدكتور سعد البصري الى القول في بحثه ( التداعيات النفسية والاجتماعية لظاهرة التطرف التعصب ( التطرف )الى القول :

 (... مشكلة التعصب لدى الإنسان، هي مشكلة جوهر وجود الكيان الإنساني السوي، فإذا ما آمن الفرد بهذا النمط من السلوك في التعامل مع فرد ما بعينه أو مجموعة ما بعينها، فهو يعد اضطراباً في معيار الصحة النفسية أو العقلية.. وهو صراع داخلي يحدث للفرد وينم عن اختلال التوازن.. وبذلك فإننا نسلّم جدلاً بأن الفرد المتعصب هو بحكم المريض عقلياً ونفسياً، لما يتميز به من جمود وتصلب في الرأي.)

ويضيف الدكتور سعد البصري قائلاً (...ويرى مصطفى زيور عالم النفس المصري أن التعصب ظاهرة اجتماعية لها بواعثها النفسية، وهي تنشأ أولاً وقبل كل شيء من بواعث نفسية لا علاقة لها في الأصل بالعقيدة الدينية، وإن اتجاهات التعصب تفسر على النحو التالي: إن العدوان طاقة انفعالية لابد لها من متنفس، ويتخذ لذلك موضوعاً معيناً تفرغ فيه الشحنة الزائدة، وإذا لم يتمكن العدوان من أن يصل إلى مصدر، فإنه يلتمس مصدراً آخر يصبح كبش الفداء، ومثال على ذلك الموظف الذي يوجه له رئيسه التوبيخ والإهانة، ثم لا يستطيع أن يرد على رئيسه، فإنه عندما يعود لمنزله يصب غضبه على زوجته وأبنائه، ويحتمل أن يتحول العدوان لدى الإنسان من موضوع إلى موضوع آخر، أو يستبدل هدفاً بهدف لغرض التفريغ والتخلص من الشحنات المكبوتة، وإذا ما منع هذا التحول أو الاستبدال، ارتدّ نحو الذات، وبذلك تفتك النفس بنفسها.

إذن تتركز مشكلة التعصب ومظاهرها في العدوان، وكيفية تصريفه، وتحويل هذا العنف المدفون داخل النفس الإنسانية إلى موضوعات أخرى في المجتمع.

وخلاصة القول أن التعصب يؤدي وظيفة نفسية خاصة تتلخص في التنفيس عما يعتلج في النفس من كراهية وعدوان مكبوت، وذلك عن طريق عملية نقل ذلك العدوان واستبداله بموضوع آخر دفاعاً عن الذات. فالمتعصب إذن يجني من موقفه كسباً، غير أن هذا الكسب لا يختلف عما يجنيه المريض نفسياً من سلوكه الشاذ، أي أنه كسب وهمي ناقص.)(3)

7 ـ  المحاصصة تخل بالسِلم الاجتماعي:

يقوم السلم الاجتماعي على اساس الشعور بالوحدة الوطنية والتضامن بين ابناء الوطن الواحد بينما يعمل نظام المحاصصة العنصرية او الطائفية على التفرقة وخلق تكتلات اجتماعية غير سلمية، لا تنظر لكل مواطن على اساس انتمائه الوطني بل الى انتمائه القومي او الطائفي ، فيتحول الصراع السياسي على المناصب والجدل حوله الى صراع طائفي وعنصري بمرور الوقت.  

ومهما حاول النظام السياسي الجمع بين العدالة وفرص التقدم الاجتماعي عن طريق نظام المحاصصة، فانه لن يفلح ، ذلك ان إزاحة موظف من طائفة معينة وإحلال موظف آخر محله من طائفة اخرى ، هو اخلال بمعايير العدالة بحد ذاته وتعميق للصراعات الطائفية،  لان ازاحة موظف من منصبه رغم كفائته وخدماته الجليلة المفترضة لمجتمعه يولد شعوراً بالغبن وبالكره تجاه الطائفة الاخرى مما يغذي الصراعات الاجتماعية التي تخل بالسلم الاجتماعي.

 والصراعات الطائفية المسلحة التي تنهض في لبنان بين فترة وأخرى وخاصة في أوقات الانتخابات والترشيحات للمناصب العليا خير مثال على ذلك.ولن تكون الحلول السلمية الا حلولاً مؤقتة حتماً.

يذهب الباحث السيد مصطفى السادة في بحثه الموسوم ( نحن والآخر.. الانفتاح او التعصب ) الى القول (...وكنتيجة طبيعية وحتمية للتعصب ـ بعد الجمود والصنمية ـ يأتي نشوء الفكر المترهل البسيط غير القادر على الإبداع. لأن الجمود ينعكس على تراجع دور الفكر والتثقيف داخل الحركات السياسية بما فيها العقائدية، فإذا كان الكسل الفكري هو الوجه الأول لضحالة بعض هذه الحركات والأحزاب فإن انعدام التثقيف الداخلي هو الوجه الآخر لهذه الضحالة التي كثيراً ما تجعل هذه الحركات تفقد بريقها ووهجها وقدرتها على الاستقطاب ناهيك عن قدرتها على التجديد والابتكار والإبداع الذي هو في النهاية ثمرة تراكم جهد فكري وثقافي ونضالي..) (4)

8 ـ المحاصصة تخل بالثقة العامة تجاه مؤسسات الدولة:

اذا تولى فرد منصباً معيناً على اساس طائفته فانه لن يحصل على ثقة ابناء الطوائف الاخرى ، فيسود التشكيك في الأحكام القضائية والإجراءات التي تسبقها ، وكذلك تنعدم الثقة بالقرارات الإدارية .ويتعزز الشعور بالانحياز الطائفي والعنصري لدى المواطنين فتنعدم الثقة العامة بمؤسسات الدولة.وانعدام الثقة العامة احد اهم عوامل انهيار النظام السياسي برمته.

9 ـ المحاصصة تخل بمبدأ سيادة الدولة على الصعيد الخارجي:

المحاصصة سبب وذريعة لتدخل الدول الأجنبية في الشؤون الداخلية، وهذا ما حذرت منه المواثيق الدولية ، جاء في (إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد ) الصادر عن الجمعية العامة للأمم  المتحدة (5) ، ما نصه: إن الجمعية العامة، إذ تضع في اعتبارها أن أحد المبادئ الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة هو مبدأ الكرامة والمساواة الأصيلتين في جميع البشر، وأن جميع الدول الأعضاء قد تعهدت باتخاذ تدابير مشتركة ومستقلة، بالتعاون مع المنظمة، لتعزيز وتشجيع الاحترام العالمي والفعال لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين،... وإذ تضع في اعتبارها أن إهمال وانتهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ولاسيما الحق في حرية التفكير أو الوجدان أو الدين أو المعتقد أيا كان، قد جلبا على البشرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حروبا، وآلاما بالغة، خصوصا حيث يتخذان وسيلة للتدخل الأجنبي في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وحيث يؤديان إلى إثارة الكراهية بين الشعوب والأمم،.....)

وهكذا اقرت هذه الوثيقة الدولية ان التعصب والتمييز يفتح المجال امام تدخل الدول الاجنبية في الشأن الداخلي.

10 ـ المحاصصة تتعارض مع حقوق الانسان الأساسية:

مبدأ تكافؤ الفرص : تكافؤ الفرص مبدأ دستوري جوهري، وأحد اهم الأعمدة التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية ، ونصت على هذا المبدأ معظم الدساتير المعاصرة ، ومضمون المبدأ ان تعمل التشريعات على محو الامتيازات الخاصة والفوارق المصطنعة بين افراد المجتمع ، بعد ان كانت المجتمعات الإنسانية بصفة عامة تقسم ابناء الشعب الى طبقات متدرجة في القيمة ومقدار الحقوق التي تنالها كطبقة الاشراف وطبقة المحاربين وطبقة العامة وطبقة العبيد، وكانت اغلب هذه الامتيازات تنتقل بالوراثة ، الا ان فكرة التمييز الطبقي بين ابناء المجتمع الواحد لم تلق قبولا في الفكـر الحر المعاصر فتم التخلي عنها تدريجيا .
ويتيح هذا المبدأ لكل فرد من افراد المجتمع التمتع بخيرات المجتمع بالقدر الذي تؤهله له كفائته وقدراته الذاتية .وفي ظل هذا المبدأ أصبح للنخبة او الصفوة الاجتماعية معنى ومضمون آخر .
فالنخبة الاجتماعية في عالم اليوم هم من يتمتعون بالكفاءات المعرفية ، سواء كانت علمية او أدبية او فنية او مهنية او غيرها ، التي اكتسبها افراد المجتمع من خلال الجد والمثابرة ومن ثم سخروا معارفهم لخدمة مجتمعهم وعموم المجتمعات الإنسانية.
والنظام الاجتماعي العادل هو الذي يتيح للنخبة الاجتماعية من أبنائه، بالمعنى الذي اشرنا اليه ، بان تتولى مناصب الصدارة في قيادة المجتمع . وكل نظام اجتماعي لا يضع النخبة في مكانها الذي تستحقه وكان معياره الولاء العشائري او الحزبي لا الكفاءة ، ولا يكون للأفراد فيه مجال للخلق والإبداع ، لابد ان ينحدر نحو هاوية التخلف والصراع ،ذلك ان تمكين الجهلة والمتملقين والانتهازيين من الوصول الى المناصب القيادية في الدولة يقود حتماً الى الاستبداد والطغيان والفوضى والفساد وعدم الشعور بالمسؤولية فى المجتمع ، والشعور بالغبن والإجحاف ، وتردي الأخلاق العامة وازدواجيتها ومَدعاةً لنمو ثقافة القسوة والنفاق والدكتاتورية ، وتأليه الذات البشرية التي تفضلت على أولئك الجهلة وسلمتهم مقاليد الامور في البلاد، ومن ثم تكرس كل مصالح الدولة وقوانينها لخدمة أغراضهم غير المشروعة .
ويعبر احد أساتذة القانون عن ذلك تعبيراً دقيقاً بقوله ( ... وكل تشريع يرفع غير الصفوة القادرة ويقيس بغير مقياس الكفاءة ويصد العبقريات عن مصاعدها ويعيق النخبة عن القيام برسالتها ويلهب بالحرمان والخيبة نفوسها ، لا يمكن اعتباره تشريعاً ظالماً فحسب وإنما هو تشريع ينسف قواعد سـلامة المجتمع من أساسها وتغدو أجهزة الحكم في ظلـه فمـاً يلتقـم ويـداً تنتـقـم)

جاء في (إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد ) الصادر عن الجمعية العامة للأمم  المتحدة المشار اليه ، ما نصه:

إن الجمعية العامة، ....وإذ تقلقها مظاهر التعصب ووجود تمييز في أمور الدين أو المعتقد، وهى أمور لا تزال ظاهرة للعيان في بعض مناطق العالم، .....ولما كانت مصممة على اتخاذ جميع التدابير الضرورية للقضاء سريعا على مثل هذا التعصب بكل أشكاله ومظاهره، ولمنع ومكافحة التمييز على أساس الدين أو المعتقد، تصدر هذا الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد:

المادة 2. 1ـ لا يجوز تعريض أحد للتمييز من قبل أية دولة أو مؤسسة أو مجموعة أشخاص أو شخص على أساس الدين أو غيره من المعتقدات.
2. في مصطلح هذا الإعلان، تعنى عبارة "التعصب والتمييز القائمان على أساس الدين أو المعتقد" أي ميز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو انتقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة.

ونصت المادة  3 منه : يشكل التمييز بين البشر على أساس الدين أو المعتقد إهانة للكرامة الإنسانية وإنكارا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويجب أن يشجب بوصفه انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي نادى بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والواردة بالتفصيل في العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وبوصفه عقبة في وجه قيام علاقات ودية وسلمية بين الأمم.

وجاء في المادة 4: 1. تتخذ جميع الدول تدابير فعالة لمنع واستئصال أي تمييز، على أساس الدين أو المعتقد، في الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في جميع مجالات الحياة المدنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وفى التمتع بهذه الحقوق والحريات.
2. تبذل جميع الدول كل ما في وسعها لسن التشريعات أو إلغائها حين يكون ذلك ضروريا للحؤول دون أي تمييز من هذا النوع، ولاتخاذ جميع التدابير الملائمة لمكافحة التعصب القائم على أساس الدين أو المعتقدات الأخرى في هذا الشأن.

وأكدت المادة 7 منه على انه: تكفل الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان، في تشريع كل بلد، على نحو يجعل في مقدور كل فرد أن يتمتع بهذه الحقوق والحريات بصورة عملية.)

خاتمة:

لاشك في ان الانتماء الى قومية او طائفة او حزب حق مشروع لكل انسان ، وهو حق كفلته الشريعة الإسلامية الغراء ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( . 

كما وكفلته المواثيق الدولية والدساتير الحديثة كافة، فالانتماء الاجتماعي والسياسي هو حق مشروع، ولكن المأساة تحدث حينما يتحول الانتماء الى تعصبا أعمى لفئة معينة وإلغاءا لدور الآخر. بل إلغاء دور العقل والمنطق والتفكير السليم، حينما يتحول الى نظام سياسي فاشل هو نظام المحاصصة، مما يؤدي في النهاية الى إنتاج ديمقراطية مشوهة تتشتت فيها الصلاحيات الدستورية فتعجز الدولة بالنتيجة عن تقديم انجازات حقيقية لمواطنيها .

ونؤكد في هذا المقام ان فوز كتلة معينة في الانتخابات وتشكليها الحكومة لا يعني بالضرورة عدم الاستفادة من الكفاءات الموجودة في صفوف المعارضة، ولا يعني عدم إمكانية تمثيل الأطياف الأخرى في المجتمع، إلا ان الحل الأمثل بالتأكيد هو ان تضم الائتلافات والتجمعات السياسية أطيافا متنوعة من أبناء الشعب ليصدق عليها وصف القائمة الوطنية وتدخل إلى الانتخابات بهذه الصفة.

وفيما يتعلق بالمناصب الأخرى فان الحل ولاشك واضح وهو تفعيل النصوص الدستورية الخاصة بإنشاء مجلس الخدمة العامة ليتم التعيين في الوظيفة العامة على اساس معايير موضوعية يتصدرها التحصيل العلمي والكفاءة. حيث تعلن بموجبه عن الشواغر من الوظائف العامة ليتقدم جميع المعنيين من المواطنين للدخول في منافسة الحصول على الوظيفة العامة والمناصب غير السيادية ، وتقرير ان منصباً ما هو سيادي يستثنى من المنافسة ويدخل ضمن ما يعرف بنظام الاختيار المطلق للإدارة المقرر في فقه القانون الإداري، إنما يعود للقضاء عند الاعتراض من ذوي المصلحة ، وللقضاء الفرنسي والمصري احكام واجتهادات كثيرة في هذا المقام.(6)

**************

الهوامش

1 ـ سورة المائدة، الآيتين 17، 72.

وانظر بنفس المعنى : الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي، سماحة الإسلام مع الأديان للأخرى وأهلها منشور على الرابط: http://www.taghrib.org/arabic/nashat/esdarat

/kotob/arabic/books/resalatalislam/15/60/05.htm

2 ـ سورة النحل الآية 25.

3 ـ منشور في مجلة النبأ ـ العدد 56 ـ محرم 1422 هـ، نيسان 2001 م. وعلى الرابط : http://www.annabaa.org/nba56/tdaiaat.htm

4ـ منشور في مجلة النبأ ـ العدد 48 ـ جمادي الاولى 1421 هـ ، اب 2000 م. وعلى الرابط : http://www.annabaa.org/nba48/enfetah.htm

5ـ اعتمد ونشر علي الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 36/55 المؤرخ في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 1981.

6 ـ انظر بحثنا : أسباب الطعن بالقرارالاداري :

http://farisalajrish.maktoobblog.com/

بغـداد في 9/6/2008

...............................................

فارس حامد عبد الكريم

ماجستير في القانون

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً                                                               

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق