النزاهة ومتلازمة الفساد والفقر والإرهاب


النزاهة ومتلازمة الفساد والفقر والإرهاب



فارس حامد عبد الكريم


مقدمة:

لا يشعر الفقير أو الفقـراء عادة بقيمة الانجــازات المعنويــة

على الصعـيـد السياســي والدســـتوري كالانتخابـات الحــرة      

وإنشاء المجلـس النيابـي وإقرار الدســتور ذلك ان نتائجهــا

تتجـسد في المسـتقبل البعيـد غيـر المنـظــور، الا انـه يسعد

بالانجازات المادية ويقدرها فهو يُقيم الحكومة التي تملأ بيته

 طعامـا وخبـزاً وأطفـالا أصحـاء متعلمين يمكن ان يحصــلوا

على وظيفة في الحكومة ............

                                                      

المبحث الاول

في النزاهة والفســاد والفقـر

مقدمة حول الفقر في العراق
العراق بلد الحضارات والخيرات بحق، فعلى أرضه نِشأت أول الحضارات الإنسانية ، ومن بين خمس انهار نشأت عليها الحضارات القديمة هي الأشهر تاريخياً، يوجد اثنان منها في العراق ، الفرات العذب ودجلة الخير ، وعلى هذا الحال فان العراق بلد زراعي، والى العراقي الفذ يعود اختراع ( الكتابة ) و( الدولة ) و ( القانون) و ( فكرة العدالة ) و ( المدينة الحضرية ) و ( علم الفلك )  و( القصة الأسطورية ) و ( العجلة ) وهو اول  من انشأ  (مكتبة) في التاريخ واول من فتح ( صيدلية )  وأول من وضع تقويم للزراعة كما انه اول من لعب كرة القدم........(1)

 ومن جانب اخر فان العراق بلد سياحي ، حيث تتوفر فيه جميع انواع السياحة ، سياحة طبيعية وسياحة تاريخية وسياحة دينية ، فضلا عن ثروة نفطية هائلة ، حتى ان احد خبراء النفط العالميين قال ان العراق يطفو فوق بحر من النفط ، وتشير الروايات الشعبية المتداولة ان الكثير من الناس قد خرج النفط في أراضيهم وهم بصدد حفر أقبية أو أبار للماء .

 ونظرياً لا يمكن ان يتحقق الفقر والجوع في العراق ، الا انه وكما يقول السياب في أنشودة المطر ( ما مر عام والعراق ليس فيه جوع ) ، فمن الناحية الواقعية فان شعب العراق وعلى مدى فترات تاريخية طويلة عانى من الفقر والجوع والمرض والظلم والسبب في ذلك يعود إلى فساد الطبقة الحاكمة، وضعف دور الرقابة الرسمية والشعبية .

المطلب الاول: الاقتصاد والنزاهة في العراق
مقومات الاقتصاد العراقي: وطن لا يمكن ان يجوع اهله، ولكن ...!!!!
ـ المساحة الكلية: 430820 الف كيلو متر مربع.
ـ السكان: حوالي 27 مليون نسمة.
ـ الثروات الطبيعية: يمتلك العراق ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية حيث يقدر مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن أن العراق يمتلك 112.5 مليار برميل من النفط في باطن الأرض لم يتم استغلالها حيث تشكل 11  % من الاحتياطي العالمي ، ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 22 % من الاحتياطي العالمي إذا ما تم إعادة الكشف والتنقيب عن البترول والذي توقف منذ عام 1980
 ويتميز النفط العراقي بانخفاض كلفة إنتاجه حيث لا تزيد على 1.5 دولار مقارنة ب 2.5 دولار في السعودية وهي أدنى التكاليف العالمية على الإطلاق حيث تصل إلى أكثر من 6 دولارات في مناطق أخرى من العالم مثل (روسيا ومنطقة حوض بحر قزوين).

بينما تقدر احتياطات الغاز الطبيعي في العراق بنحو (110 (ترليون قدم مكعب أي ما يعادل 2% من الاحتياطي العالمي.

فضلاً عن ثروات طبيعية اخرى متنوعة تشكل الكثير من المواد الخام لصناعات ستراتيجية مثل الزجاج والاسمنت والكبريت والزئبق والبوتاسيوم ....، كما انه يمكن ان تتوفر صناعات غذائية وحيوانية هائلة اذا ما التفت للقطاع الزراعي حيث تشكل عملية تصنيع وتجارة المواد الغذائية المعلبة والمجمدة جزء أساس من اقتصاديات العديد من الدول.

ـ الناتج القومي: تراجع من 75.5 مليار دولار عام 1989 إلى 26 مليار دولار عام 2002.
ـ مستوى دخل الفرد السنوي: تراجع من 3500 دولار أمريكي في عام 1989 إلى 320 دولار فقط في عام 1979.

ـ ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري حيث بلغت 371% من الناتج القومي الإجمالي في العام 2002.

ـ انخفض الانفاق على قطاعي الصحة والتعليم في التسعينات من القرن الماضي الى 2003 إلى 1% فقط  من الناتج القومي الاجمالي.

ـ متوسط العمر المتوقع للعراقيين عند الميلاد انخفض من 62 سنة في عام 1980 إلى 59 سنة في عام 1999 .

ـ معدلات البطالة في العراق وصلت إلى نسبة 70% في عام 1999.

ـ تراجع ترتيب العراق وفقاً لدليل التنمية البشرية بين دول العالم من المرتبة الـ (55)  عام 1990 الى

المرتبة الـ (127) في عام 1999.

ـ ازدادت حدة الديون العراقية حيث بلغت حوالي (450) مليار دولار في عام (2003) ، أي حوالي الـ (18) ضعفاً من إجمالي ناتج العراق القومي سنويا.

وجاء في التقرير الاقتصادي العربي لعام 2008 الصادر عن الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة العربية  أن العراق ( يمتلك مخزونا من النفط والغاز يوازي في مجموعه أكثر البلدان النفطية غنى بالعالم)

وجاء في التقرير الذي يقع في 450 صفحة ( ان في العراق 530 تركيبا جيولوجيا تشتمل على احتياطات نفطية كبيرة، ويشير الى ان ثمة 115 موضعا تم حفرها حتى الآن، تقدر احتياطاتها بنحو 311 مليار برميل من النفط، بالإضافة إلى 415 موضعا غير مكتشفا تزيد احتياطاتها عن 215 مليار يرميل .
وفيما يتعلق بثروة العراق من الغاز، أشار التقرير إلى أن وزارة النفط العراقية أعلنت خلال النصف الأول من عام 2007، عن اكتشاف حقل غاز يمتد من محافظة نينوى شمالي العراق إلى منطقة القائم في المنطقة

الغربية من البلاد، وجنوبا حتى الحدود مع السعودية. )

ويعد التقرير هذا الحقل (الأكبر في البلاد)، منوها إلى أن (دول الاتحاد الأوربي أبدت اهتماما كبيرا بهذا الحقل نظرا لقربه من قارة أوربا، لاسيما في إطار مشروع خط الغاز المشترك الذي يربط كلا من الأردن ومصر وسوريا وتركيا وصولا الى دول القارة الاوربية).

ويلاحظ التقرير أن (من أبرز الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة السيطرة على التضخم وإعادة هيكلة المصارف وتنمية القطاع الخاص المحلي ) .(2).

ويمكن القول ان من أهم التحديات التي تواجه العراق ، كدولة وكمجموعة انسانية عريقة، تتمثل بصفة اساسية في الفساد الاداري والمالي . حيث يمكن اعتبار الفساد احد الاسباب الجوهرية في دوام تحديات مأساوية مثل الفقر والتخلف وانخفاض مستوى التعليم والرعاية الصحية ونقص الخدمات العامة ، وما يترتب على ذلك ، من تعميق للظلم الاجتماعي وإعاقة جهود التنمية في مجال الأعمار ومجال تنمية قدرات الانسان العراقي ، فضلا عما تشكله هذه التحديات من تهديد أو هدر لحقوق الإنسان الأساسية. ومن جانب اخر فان هناك علاقة وثيقة بين الفساد والظواهر الإجرامية الأخرى التي تقوم على تنظيم دقيق مثل عصابات الجريمة المنظمة ومنها المنظمات الإرهابية .

كما ويمكن القول ان هذه التحديات تشكل متلازمات أي ان كل منها يُعد سببا ونتيجة للآخر ، فالفقر صورة من صور الظلم وتعبير عن اختلال في قيم العدالة الاجتماعية ، وقد يقود الفقر الى الجريمة فيكون الفقراء مادة الارهاب الأولية. بينما لا يستطيع الفقير ممارسة حقوقه الإنسانية كاملة .

ويعمق الفساد الهوة بين افراد المجتمع ، حيث يخلق طبقة ثرية ، أثرَت على حساب الشعب ، من خلال سرقة الأموال العامة المخصصة للتنمية والتعليم والصحة والأمن ،فتتدهور الأحوال الاجتماعية في كل المجالات وتنحدر فئة كبيرة من عموم ابناء المجتمع نحو الفقر والحرمان والتخلف والمرض والجريمة ، بينما يتمتع اللصوص ،باعتبارهم نخبة اجتماعية بيدها المال والسلطة ، باسباب الرفاهية. 

والحال ان هذه التحديات تمس وجود الانسان العراقي وتحد من خياراته وتطلعاته المشروعة، كما انها ترسم صورة قاتمة لمستقبل الاجيال القادمة ، وتتطلب اهتماما جديا من النخبة المثقفة في المجتمع وحرص حقيقي من قبل القائمين على امور السلطة العامة من اجل معالجتها قبل استفحالها . 

ان الطريق نحو معالجة هذه التحديات وازالة تركة الحرمان والتخلف الناشئة والموروثة ، تتطلب ولا شك وقتاً ، ولكن في كل الأحوال ينبغي البدء بالخطوة الاولى في كل مجال من هذه المجالات التي تشكل تهديدا حقيقيا لوجود الانسان العراقي ومستقبله .

المطلب الثاني

 التجربة العراقية والدولية في مكافحة الفساد

تأثير الفساد السلبي على الاقتصاد الوطني امر متحقق دائما ولذا يبدو انه من مستلزماته بل انه نتيجة طبيعية مباشرة له. 

ومن جانب اخر يقلل الفساد من فرص الحياة والتعليم والأعمار والتنمية وفرص الاستفادة من المعونات والقروض الدولية ويخفض من معدلات النمو بصورة كبيرة ، كما يؤدي الى تدهور البنية التحتية والخدمات العامة بصورة مؤكدة .

ومن جانب اخر يسهم الارهاب المُنظم ، بأنواعه واجنداته المختلفة ، وأعوانه المندسين في مؤسسات الدولة ، في تعميق ظاهرة الفقر ودعم وتوطين الفساد لأسباب إقليمية سياسية معادية للعراق، وهكذا أنفقت المليارات من الدولارات على أعمار العراق دون ان يكون هناك اثر ملموس على حياة الناس وصحتهم ومستوى تعليمهم.

واذا كانت المرحلة السياسية الراهنة  قد شهدت اهتماماً مشجعاً من قبل الحكومة والقادة السياسيين العراقيين في مكافحة الفساد والحد منه ، وجاء في الفقرة (25) من مبادئ وأسس البرنامج السياسي للحكومة العراقية والتي تنص على (وضع آليات فاعلة في مراقبة الإنفاق ومعالجة الفساد الإداري والمالي وتفعيل المواد الدستورية الخاصة بذلك والتعهد بالالتزام بها).فضلاً عن التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003، كخطوة جوهرية على طريق تنظيم مكافحة الفساد إقليميا ودولياً ، الا ان الخطوة الأهم تتمثل بتفعيل دور المؤسسات الرقابية الدستورية بعد ان تعثرت جهودهما لأسباب داخلية وخارجية متعددة كان من اهمها التركيز على الجانب التحقيقي ابتداءاً وإهمال الجانب الوقائي وهو جانب جوهري يعطل حركة مرتكبي جرائم الفساد كما سنوضح لاحقاً، كما انها باشرت اعمالها دون ان يحصل كوادرها على التدريب العلمي والفني الكافي ، ذلك ان مكافحة الفساد ، علم قائم بذاته يجمع بين المعرفة النظرية العميقة والخبرة الفنية والمهارة التكنولوجية المتطورة واعمال التحري السرية التي اكدتها اتفاقية مكافحة الفساد .

 وحسب المعلومات المتوفرة لدينا فان اغلب اجهزة مكافحة الفساد النظيرة في مختلف دول العالم ، لا تقبل تعيين الموظفين فيها الا بعد جملة من الاختبارات العلمية والنفسية المتخصصة والمعقدة تمتد احياناً لمدة ستة اشهر على الأقل.

كما انها لا تسمح لمنتسبيها بمباشرة العمل الا بعد تدريب كاف يمتد احياناً الى سنتين في الداخل والخارج ،وان يعمل بعد قبوله كمساعد للمنتسبين القدماء لنفس الفترة.

وقد اطلعت شخصياً عند زيارتي لهيئة الرقابة المصرية على الاجراءات المشددة للغاية التي تطبق على المتقدمين للتعيين ولفت نظري منها وجود طبيب نفسي يقوم باختبار المتقدمين من الناحية النفسية والقدرات العقلية وكذلك مرحلة الاختبار النهائي حيث يجلس المرشح للتعيين وسط دائرة منضدية واسعة تضم رئيس الهيئة ووكلائه وعدد كبير من كبار الموظفين يقوم كل منهم بتوجيه عدد من الاسئلة اليه منها الثقافية والأدبية والفنية والسياسية والتاريخية والجغرافية ..... ليقبل في النهاية او لا يقبل .

    وقد فشلت في كثير من الأحيان جهود مكافحة الفساد في مختلف دول العالم ، ذلك أن الفساد جريمة سرية يصعب في كثير من الأحيان اثباتها من خلال الوسائل التقليدية للإثبات والتحقيق ، بالنظر لاحتياط الفاسدين بعدم تركهم ورائهم دليلا ماديا يشير الى تورطهم في هذه الجرائم ، بخلاف الجرائم التقليدية كالسرقة والقتل والتزوير وغيرها التي يمكن تتبع الادلة المادية عليها بوسائل متعددة منها البسيطة ومنها المعقدة ، أذ هي تتم في اغلب الاحيان بعيدا عن أعين الناظرين وخلف الابواب الموصدة ،وليس هناك في الغالب مسرح واضح للجريمة ، ويرتكبها في الغالب اشخاص على قدر من الدراية والمعرفة بأساليب الالتفاف على القانون وفي تسخير المعرفة التي يمتلكونها لاغراض دنيئة ، ولذا يعجز ضحية الفساد غالبا عن اثبات دعواه امام القضاء.

وازاء هذا التحدي الكبير سعى فقهاء القانون والعلماء في مختلف فروع العلوم الى إيجاد انظمة قانونية وادارية واجهزة فنية جديدة تتسم بالفعالية والمرونة في التطبيق تكفل الحد من هذه الظاهرة الخطيرة الى ابعد مدى ممكن ودراسة أسباب الفشل الذي اعترى وسائل مكافحة الفساد ، فالتشخيص الدقيق للمشكلة جزء من حلها. وكان من اهم هذه الأساليب هو الوقاية أي مكافحة الجريمة قبل وقوعها وتجفيف منابعها من خلال انظمة دستورية وقانونية وادارية وفنية متنوعة منها:

اولاًـ انشاء هيئات مستقلة للرقابة :

ان فكرة انشاء هيئات مستقلة للرقابة هي نتيجة التجربة الانسانية المرة مع الفساد حقاً ، فقد اثبتت التجارب الدولية العديدة قصور الرقابة البرلمانية والرقابة الادارية ،اي رقابة الادارة على نفسها ، في اداء الاغراض المرجوة منها ، فقد ابتدعت البشرية خلال صراعها الطويل مع السلطة انظمة متعددة للرقابة كوسيلة لكبح جماح القائمين على امرها وفرضتها بثورات دموية تاريخية أخضعت وارغمت الطغاة على الاستجابة لمطالب شعوبها ، وهكذا ابتكرت الرقابة البرلمانية والرقابة الادارية، والرقابة القضائية.

الا ان  الرقابة البرلمانية ، وكذلك الحال بالنسبة للرقابة الادارية على اعمال الادارة ،  لم يفيا بالغرض المرجو منهما وهو تحقيق مبدأ سيادة القانون لاسباب متنوعة، فقد ثبت من خلال الممارسة العملية قصور الرقابة البرلمانية عن اداء دورها الرقابي بصورة فعالة لاسباب متنوعة منها ان السلطة التشريعية وان كانت تسمو مركزا على باقي السلطات داخل الدولة من الناحية الدستورية ، الا ان كثرة عدد أعضائها وضمها لاتجاهات فكرية وعرقية متنوعة وتميز اعمالها بالمنازعات الفكرية ، جعل من اعمالها متسمة بالبطء والتأخير ، وهكذا تضيع مطالبات الرقابة بين الاجراءات المعقدة والمجاملات السياسية.

كما لم تؤد الرقابة الادارية دورها بشكل فعال لاسباب متنوعة اهما قدرة السلطات الادارية العامة بما تملكه من صلاحيات تنفيذية واسعة لا تملكها اية سلطة اخرى ومنها هيمنتها على اجهزة القهر على تجاوز الرقابة والالتفاف عليها بصورة اخرى  فالادارة هنا هي الخصم والقاضي في ذات الوقت ، اذ ينشا في الغالب بين افراد الادارات العامة نوع من التضامن المشوه يؤدي في احيان كثيرة الى التستر او التساهل ازاء جرائم الفساد ، كما ان بعض القيادات السياسية قد تسعى  للتستر على فضائح الفساد لانها ذات تأئير قاتل على نتائج الانتخابات وتوجهات الرأي العام . وقد تستخدمها في احيان اخرى لاسباب سياسية كوسيلة للقضاء على الخصوم السياسين وتشويه سمعتهم ، وهكذا نشأت فكرة هيئات الرقابة المستقلة.

، وبالنسبة للرقابة القضائية  رغم فعاليتها الاكيدة الا انها لا تتحقق الا بناءا على دعوى ، لان القاضي لا يتدخل لفض المنازعات من تلقاء نفسه ، والقاعدة في هذا الصدد ان القضاء مطلوب وليس محمول ، وقد لا تتحرك الدعوى لأسباب متنوعة من أهمها تردد الناس وعدم الابلاغ عن قضايا الفساد خشية بطش وانتقام رجال السلطة العامة  ، ولهذا ابتكرت صلة وصل بين الرقابة والقضاء ، لسد الفراغ الحاصل ، تتولى التحري عن قضايا الفساد وتحريك الشكاوى الجزائية أمام القضاء بعد التحقيق فيها . هي هيئة النزاهة وهي جهة مستقلة محايدة.

 ورغم إمكانية وجود الفساد في مختلف السلطات كما تشير التقارير الدولية كما سنوضح ذلك لاحقاً الا ان السلطة التنفيذية في مختلف الدول تعد من اوسع مواطن الفساد من حيث الكم والنوع ، بالنظر للمهات الضخمة الملقاة على عاتقها المتمثلة في ادارة المرافق العامة للدولة وادارة عموم النشاطات الاجتماعية والاقتصادية في الدولة  ،وفي ضوء هذه المعطيات نشات الدعوة الى انشاء هيئات رقابية مستقلة عن اية سلطة اخرى ، تتمتع بالاستقلال المؤسساتي الكامل ،  اي الاستقلال الاداري والمالي وفي سلطة اتخاذ القرار.

 وتخضع هذه الهيئات لرقابة السلطة التشريعية،وذلك لتجنب  التأئير السلبي لحساسيات الاجهزة التنفيذية من هيئات الرقابة ومحاولاتها لاسقاطها اوتحجيمها او التشكيك في جدواها، اما من الناحية الادارية فيكون الارتباط محدودا يقتصر على قيام السلطة التشريعية على انتخاب المسؤول الاعلى للرقابة وعزله ودفعا لاحتمال تدخل الطموحات السياسية للاغلبية البرلمانية في هذا التعيين فان الترشيح لهذا المنصب يتم من قبل سلطة اخرى محايدة هي السلطة القضائية وينبغي ان تحصل موافقة السلطة التنفيذية على ترشيحه. وهذا يمثل نوع من الرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة ، فالاستقلال نسبي لا مطلق ، وهذا يمثل افضل الحلول ، ذلك ان الاستقلال المطلق لاي سلطة من السلطات يقود الى الفساد والى نشوء نوع من الدكتاتورية المؤسساتية التي تفقد التعاون اللازم بين هذه السلطات مرونته بعدم اخذ اي سلطة من هذه السلطات الاعتبارات التي تهم السلطة الاخرى بنظر الاعتبار. فالرقابة المتبادلة تمثل الحد النسبي لاستقلالية اي سلطة. وكي لا تتحول هيئات الرقابة بدورها الى مؤسسة دكتاتورية فأن الذي يبت في قضايا الفساد التي تكشفها هذه الهيئات هو القضاء.  وجاء في المادة ( 36 ) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ( تتخذ كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الاساسية لنظامها القانوني ، ما قد يلزم من تدابير لضمان وجود هيئة أو هيئات متخصصة او اشخاص متخصصين في مكافحة الفساد من خلال انفاذ القانون . وتمنح تلك الهيئة أو الهيئات أو هؤلاء الاشخاص ما يلزم من الاستقلالية وفقا للمبادئ الاساسية للنظام القانوني للدولة الطرف ، لكي يستطيعوا اداء وظائفهم بفعالية ودون أي تأثير لامسوغ له. وينبغي تزويد هؤلاء الأشخاص أو موظفي تلك الهيئة أو الهيئات بمايلزم من التدريب والموارد المالية لأداء مهامهم.)

ثانياً ـ وجود نظام قانوني متميز لمكافحة الفساد :

 سبق القول ان الاساليب التقليدية في مكافحة الجريمة لم تجد نفعا في مكافحة الفساد، بالنظر لخصوصية هذه الجريمة المرتكبة من قبل اشخاص يتمكنون من محو اثارها باستخدام صلاحياتهم القانونية او علاقاتهم ونفوذهم الاجتماعي والسياسي . ولذا وجب ايجاد نظام قانوني بديل لمعالجة هذه الظاهرة الإجرامية ومن الانظمة القانونية الفعالة  قانون الكسب غير المشروع،  فيما اذا احسن تطبيقه، وافضل جهة لتطبيقه هي الهيئة الرقابية المستقلة وقد صدر مثل هذا القانون  في عدد من الدول ومنها العراق ،القانون رقم (15 ) لسنة1958المعدل النافذ ، ولكن إيكال امر تنفيذه للسطات التنفيذية في جزء منه ادى الى تعطيله من الناحية الواقعية .

       وهذا النظام القانوني الحديث الذي تعتبر اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة لسنة 2003 جزءاً مهماً منه لا يقوم على اثبات الفساد بشكل مباشر، كشرط البحث عن دليل مادي ملموس عن الرشوة او الاختلاس وجرائم الفساد الاخرى حصراً، وانما ينقل الاثبات الى جملة وقائع متصلة تجعل من واقعة الفساد امرا مرجحا ، كما انه ينقل عبأ الاثبات من عاتق المدعي الى عاتق المدعى عليه ، خلافا للقاعدة العامة للاثبات ، التي تنص على ان البينة تقع على عاتق المدعي، لأن الأصل براءة الذمة ، وعلى هذا فأن القواعد القانونية الثابتة لم تقف عائقا امام الفكر القانوني الحديث وهو بصدد انقاذ الانسانية من مخاطر الفساد . ويتضمن هذا القانون الزام الموظفين بتقديم كشف عن مصالحهم المالية، بما يملكونه من عقارات ومنقولات وارصدة مالية واسهم وسندات وحقوق ، ومن ثم تتم مراقبة التطور المالي الحاصل للموظف سنويا لتحديد الزيادات المالية الطارئة  غير المعقولة قياسا الى دخله السنوي المعتاد، مما يثير شبهة الفساد ومن ثم يخضع للتحقيق ، فأذا عجز عن اثبات مصدر مشروع لأمواله ، التي حصل عليها بعد توليه الوظيفة العامة، تجرى محاكمته وفقا لنصوص الكسب غير المشروع واخضاعه للعقوبات المقررة في هذا القانون .وقد اوصت اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد في المادة (20) بـ ( اعتماد ماقد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي  اثراء غير مشروع ، أي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا الى دخله المشروع . )

ومن الوسائل القانونية الحديثة ايضا ، التي تبنتها اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد في الفقرة (2) من المادة (13) ، قبول الشكاوي المغفلة ، اي التي لايعرف اسم صاحبها ولا مصدرها، بعد ان كانت  الشكاوي لا تقبل الااذا كانت مذيلة بأسم وتوقيع صاحبها ، والسبب في اعتماد هذا الخيار هو تعرض المخبرين عن الفساد وكذلك ضحاياه  للتهديد والابتزاز او للتصفية من قبل مافيات الفساد في حالات كثيرة مما يتسبب في أحجامهم عن الاخبار عنها ، ولكن قبول الشكاوى المغفلة حسب وجهة نظرنا ينبغي ان يكون بحذر شديد  ، وان لا تكون سبباً في تحريك الشكوى الجزائية الا بعد استكمال عملية جمع الادلة او القرائن ، لانها بخلاف ذلك ستكون محلاً واسعاً للشكاوى والاخبارات الكيدية ومن ثم الاطاحة بسمعة الاشراف من الموظفين.  

وعلى النحو الواجب من الفهم لا يعني  اعتماد الشكاوى المغفلة كدليل او قرينة ، وانما تؤخذ على سبيل الاستدلال على جغرافيا انتشار الفساد لتكون نقطة الانطلاق في المراقبة والتحقيق ، ليقول القضاء العادل كلمته في النهاية  .

ومن الضروري ايضا، حماية ضحايا الفساد الذين يضطرون لمسايرة الفاسدين ودفع الرشاوى لانجاز معاملاتهم المشروعة، التي يعرقلها الفاسدين بغية اجبارهم على دفع الرشاوى ، وذلك بإعفائهم من العقوبة المقررة لجريمة الراشي اذا ما قاموا بإبلاغ السلطات المختصة مباشرة عنها ، اذ ان التعرض للعقاب هو السبب في احجام ضحايا الرشوة عن الابلاغ عنها وكذلك في صعوبة الكشف عنها ، وفي الإعفاء من العقوبة مصلحة عامة ، اذ يساعد ذلك على الكشف عن عدد ضخم من وقائع الفساد ، وهكذا يمكن ان يكون ضحية الفساد أداة قوية وفعالة في مكافحة الفساد. وقد نصت المادة (311) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على انه ( يعفى الراشي او الوسيط من العقوبة اذا بادر الى ابلاغ السلطات القضائية او الادارية بالجريمة او اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى) ، ومن الضروري ان يكون الجهد الاعلامي  للأجهزة الرقابية مبرزاً لمضمون هذه المادة. وعلى هذا النحو يمكن لمن اضطر الى دفع رشوة او كان وسيطاً بين الراشي والمرتشي ، ان يقوم بعد دفعها بابلاغ السلطات عنها بموجب شكوى او بلاغ للادارة بشكل اصولي ، واذا كان يعدمه الدليل فان تجمع عدد من الشكاوى ضد موظف معين من عدد من المشتكين يمكن ان يكون دليلاً ضده ، باعتبار ان المشتكي يعتبر شاهدا بحسب نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم  23 لسنة 1971 المعدل ومن ذلك ما نصت عليه المادة (167) منه ، على انه ( تبدأ المحكمة بالمناداة على المتهم وباقي الخصوم ثم تدون هوية المتهم ويتلى قرار الإحالة وتسمع المحكمة شهادة المشتكي ..... )

ونلفت النظر في هذا المقام ان للقضاء السلطة التقديرية الواسعة في تقدير قيمة الشهادة من الناحية الشخصية والموضوعية .

ومن الأفكار القانونية الحديثة التي تبنتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في المواد(21، 22) ايضا، تطبيق نصوص جريمتي الرشوة والاختلاس على وقائع الفساد في القطاع الخاص ، بدلا من قصرها على الوظيفة العامة والتكليف العام كما هو سائد في القوانين المقارنة ،وذلك بالنظر لتعاظم دور هذا القطاع في مجال الخدمات العامة من خلال عمليات الخصخصة والتزام المرافق العامة التي تجري على نطاق واسع في كثير من الدول، مما يستدعي حماية المجتمع من فروض الفساد المتوقعة في هذا المجال .

ومن الضروري أيضا إلغاء نصوص العقوبات الجزائية المقررة في قانون العقوبات لجريمة القذف والسب وقصر ذلك على دعوى التعويض المدنية ، كما هو الأمر في العديد من الدول الديمقراطية ، اذ ان تلويح الفاسدين باللجوء الى هذه النصوص العقابية غالبا ما يشكل مانعا من الابلاغ عن الفساد والفاسدين بسبب خشية المبلغين من العجز عن اثبات دعواهم امام القضاء ومن ثم يقعون تحت طائلة التجريم والعقاب.

 ويمكن بتشريع تخصيص جوائز للمخبرين عن الفساد ، ووضع نظام عادل للحوافز يقوم على معايير موضوعية لا شخصية لمكافئة رجال الادارة المخلصين المتفانين في خدمة وطنهم .

 يتضح مما تقدم ان الافكار القانونية الحديثة اضافت نهجا جديدا في مكافحة الفساد، يقوم على التوسع في الفروض القانونية وعلى الخروج على بعض المبادئ القانونية العامة المستقرة .

ثالثاً ـ استقلال القضاء:

 ان وجود قضاء مستقل ونزيه وكفء هو الشرط الاول لنجاح جهود مكافحة الفساد ، وفي العراق نظام دستوري وقانوني يكفل استقلالية وحيادية السلطة القضائية ويمنع التدخل في شؤونها . ويتمتع قضاة العراق بسمعة جيدة في الأوساط الرسمية والشعبية

وقد نص الستور العراقي على استقلال القضاء والقواعد التي تحكم عمله ومن تلك النصوص ما يلي :

المادة (14): العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي .

ولاشك في ان جهود هيئات الرقابة ستذهب سدى  اذا كان القضاء لا يتمتع بالاستقلال اللازم او ان الفساد قد امتد ليصل الى الهيئات القضائية او كان القاضي لا يتمتع بالكفاءة العلمية اللازمة لأداء واجباته . ولذا وجب ان تتم عملية اختيار القضاة ومعاونيهم من المحققين والكتبة والاداريين بعناية خاصة ، فكثيرا ما تحصل عمليات الفساد من خلال وسطاء من داخل الجهاز القضائي نفسه، اذ لا يجرأ الناس عادة على عرض الرشوة على القضاة مباشرة . ونقصد باستقلال القضاء استقلال القاضي بعمله واستقلال القضاء كمؤسسة  ويتجسد ذلك في استقلال القضاء اداريا وماليا وفي سلطة اتخاذ القرار ، وأهم مظهر لاستقلال القضاء هو انشاء مجلس للقضاء يتولى ادارة شؤون العدالة وشؤون القضاة من حيث التعيين والنقل والعزل دون تدخل من السلطات الاخرى . ان استقلال القضاء عامل اساس من عوامل مكافحة الفساد .

واذا كنا نتحدث عن استقلال القضاء، او استقلال اية سلطة عن الاخرى ، فأننا لا نقصد الاستقلال المطلق  ، فمثل هذا الاستقلال سيؤدي في النهاية الى انهيار الدولة وعجز مؤسسات الدولة عن اداء واجباتها بشكل طبيعي، اما الاستقلال النسبي فهو الذي يتيح امكانية الرقابة المتبادلة ، فالسلطة توقف السلطة كما يذهب مونتسكيو وهو اول فقيه دعا الى الفصل بين السلطات على ان تكون هناك رقابة متبادلة بينها منعا لتعسف اي سلطة من هذه السلطات في استعمال الصلاحيات المقررة لها،و يتيح الاستقلال النسبي صلاحيات قانونية لاي سلطة من السلطات تجاه السلطات الاخرى  ، كسحب البرلمان الثقة من الحكومة او حل البرلمان من قبل الحكومة واعادة الانتخابات وصلاحية القضاء في الغاء  القوانين الصادرة من السلطة التشريعية المخالفة للدستور وصلاحيته في الغاء القرارات الادارية المخالفة للدستور او للقانون . وكي لايتحول القضاء بدوره الى مؤسسة دكتاتورية تؤدي الى تخريب العملية السياسية ودون ان تراعي في احكامها، ولو كانت عادلة وموافقة للقانون، المصلحة العامة وطبيعة العلاقات الدولية ، فأن رقابة السلطة التنفيذية والتشريعية  على سلطة القضاء تمثل صمام الامان لذلك ، ومن مظاهر هذه الرقابة اشتراك السلطة التنفيذية والتشريعية في تعيين رئيس مجلس القضاء بعد ان يرشحه مجلس القضاء  وكذلك الامر في حالة تعيين اعضاء المحكمة العليا ، وفي حق رئيس السلطة التنفيذية في اصدار العفو العام او الخاص وفي التوقيع على احكام العقوبات القصوى ، وفي استئذان وزير العدل بشان اتخاذ الاجراءات القضائية بالنسبة للجرائم ذات الطبيعة الدولية ، وغير ذلك من اساليب الرقابة المتبادلة .وجاء في الفقرة (1) من المادة (11) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ( نظرا لأهمية استقلالية القضاء وماله من دور حاسم في مكافحة الفساد،تتخذ كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الاساسية لنظامها القانوني ودون مساس باستقلالية القضاء، تدابير لتدعيم النزاهة ودرء فرص الفساد بين اعضاء الجهاز القضائي. ويجوز ان تشمل تلك التدابير قواعد بشأن سلوك أعضاء الجهاز القضائي . )

رابعاً- اعتماد نظم توظيف وقواعد ادارية ومحاسبية فعالة مانعة للفساد :

وينبغي اعتماد نظم توظيف وقواعد ادارية ومحاسبية فعالة مانعة للفساد ذلك ان الوظيفة العامة خدمة أجتماعية وواجب وطني تشرف كل من يقوم بها لأن خدمة ابناء الشعب ومساعدتهم على تحقيق امالهم وتطلعاتهم المشروعة شرف كبير لمن يقوم به وأمانة ثقيلة يجب ان تؤدى بكل حرص وتفان واخلاص، وليس كل شخص قادر على اداء هذه المهمة بجدارة، ولذا ينبغي اعتماد نظم للتوظيف تقوم على اعتماد معايير موضوعية لاختيار الموظفين، مثل مستوى التأهيل العلمي ودرجة النجاح واجراء امتحان للمتقدمين لشغل الوظائف العامة لتحديد مستوى الكفاءة والجدارة وتقيم مستوى الاداء بعد التعيين ووضع برامج تعليمية وتدريبية دائمية للموظفين ليتمكنوا من الوفاء بمتطلبات الأداء الصحيح والمشرف والسليم للوظائف العامة . وينبغي ان توضع قواعد للسلوك المهني يتعهد الموظف بالالتزام بها .  ومن عوامل الحد من الفساد ، ان تكون الرواتب التي يتقاضاها الموظفين منصفة ومجزية وتتناسب مع الوضع الاقتصادي للبلد. ومن الضروري ايضا تفعيل دور الرقابة المالية واعتماد معايير للمحاسبة ومراجعة الحسابات تعزز الشفافية والمساءلة في ادارة الاموال العامة ، وتعد العقود الدولية مناخا خصبا للفساد ، لما تعرضه الشركات الاجنبية من رشاوي ضخمة لأستقطاب العروض الوطنية ومن ثم ينبغي اعتماد معايير موضوعية لأرساء العقود ، واعتبار الفساد سببا من اسباب فسخ هذه العقود  .

وينبغي على السلطة التنفيذية تعزيزاً لنزاهة الوظيفة العامة ان تراعي ما يلي:

1ـ يتم التعيين في الوظيفة العامة على اساس مبدأ مساواة المواطنين امام الوظيفة العامة، وفقاً للأليات الآتية:

أـ الاعلان عن الوظائف الشاغرة.

ب ـ اجراء امتحان الكفاءة.

ج ـ يفضل حملة الشهادات الجامعية الأولية والعليا على غيرهم عند التعيين، لتطوير الاداء العام وتشجيع التحصيل العلمي .

د ـ يتم التعيين في الوظيفة العامة على اساس حسن السيرة والسلوك.

2 ـ مراقبة اداء الموظف خلال فترة التجربة والجدية في تقييم ادائه ، وانهاء خدمته في حالة ثبوت عدم كفائته او عدم نزاهته ليحل محله من هو اقدر على خدمة الوطن .لانه ليس من مصلحة الوطن العليا بقاء غير الكفوء وغير النزيه في الوظيفة العامة بينما يبقى الكفوء والنزيه عاطلاً عن العمل.

3ـ التأكيد على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بالنسبة للمناصب القيادية من خلال وضع شروط مناسبة لتولي المنصب العام.

4ـ من الأهمية تحديد واجبات واختصاصات كل موظف بشكل مكتوب وتقييمه على اساس معيار الانجاز الشهري او نصف السنوي او السنوي وحسب طبيعة العمل.وان يكون التقييم وفق سجل خاص بكل موظف ويسمى سجل السيرة الشخصية مستقل عن اضبارته الشخصية، يدون فيه التقييم ، الانجازات المهمة، البحوث ، ذكر المكافأت وكتب الشكر والعقوبات ، وغير ذلك من معلومات تبين مدى نزاهته واخلاصه بالعمل. ويعرض السجل بشكل دوري على المدير المباشر والمدير العام او بناءاَ على طلبهما.. او بناءاً على طلب الموظف وموافقة المدير العام.

خامساً ـ اعتماد برنامج الحكومة الالكترونية : اثبت نظام الحكومة الالكترونية فعاليته الاكيدة في الحد من العديد من جرائم الفساد الاداري والمالي بالنظر لانقطاع الصلة المباشرة بين الموظف المكلف بتقديم الخدمة والمواطن طالب الخدمة حيث يتم اجراء اغلب المعاملات وتقديم المستمسكات وتأكيد صحة صدورها ودفع الرسوم من خلال شبكة الانترنيت الخاصة بالبرنامج وخلال زمن قياسي ، فالمعاملة التي قد تستغرق في العادة من شهر الى شهرين يمكن ان تنجز خلال دقائق .

سادساً ـ دور منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام :

 للمنظومة الثقافية والاعلامية ومنظمات المجتمع المدني ، دور جوهري في حماية النظام الديمقراطي وتعزيز قيمه  وتقويمه وكشف حالات الفساد وتنمية ثقافة النزاهة ودعم سياسة مكافحة الفساد.

والأعلام ، بصوره المختلفة ، أداة قوية وفعالة من ادوات الرأي العام ويسهم ، في الدول الديمقراطية ، في فضح ظواهر الفساد، ويخشاه رجال الادارة ويستجيبون بسرعة لما يطرحه من قضايا تهم الرأي العام ،بل انه تسبب في سقوط حكومات منتخبة في حالات عديدة بعد ثبوت ما طرحه من قضايا الفساد ، وإذا كنا نتحدث عن دور الاعلام فأننا بالتأكيد نتحدث عن الاعلام النزيه الذي يسعى لتأكيد الحقيقة وحماية المجتمع وتقديم النصح  للمسؤليين بغية تحسين الاداء العام، وان كان محسوبا على جهات المعارضة السياسية .

ان دور منظمات المجتمع المدني في حياة المجتمع العراقي وخاصة في المرحلة الراهنة ، هو دور لا غنى عنه من اجل بناء منظومة الثقافة والقيم التي ينبغي ان تسود في المجتمع الديمقراطي ومن هذه القيم تنمية ثقافة النزاهة والشفافية في المجتمع ، وعلى هذا النحو فان دور هيئة النزاهة في مكافحة الفساد يتوافق ويلتقي في نقاط مشتركة عديدة مع اهداف منظمات المجتمع المدني وخاصة الجوانب التثقيفية والتربوية .

وقد ساهمت منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام في مختلف ارجاء المعمورة مساهمة فعالة في كشف العديد من حالات الفساد المحلية والدولية ، في وفي ضوء ذلك نعلق آمال كبيرة على التعاون مع منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام من اجل تحقيق الاهداف المشتركة وتخليص المجتمع العراقي من افة الفساد.

وللمواطن الواعي دور حيوي في المساهمة في الكشف عن الفساد ، فهو ضحيته الأولى ، وعليه وعلى اطفاله تنعكس اثاره السلبية ،إذ يحرمه الفساد من التمتع بخيرات بلده ، ويضطره لدفع الرشاوى والتوسل الى الموظفين الفاسدين بهدف انجاز معاملاته المشروعة ، ولذا قيل ان الفساد يشكل اعتداءا على حقوق الانسان وعلى كرامته ، وللمساهمة في مكافحة الفساد، ينبغي اشراك قاعدة عريضة من المواطنين في الشؤون العامة وتنشيط دور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية للمساهمة في تنمية ثقافة النزاهة بين الأجيال الحاضرة وأجيال المستقبل مما يجعل الفرد ينظر للنزاهة بمستوى النظر للشرف الشخصي ، يدافع عنها كما يدافع عن شرفه وحقوقه المادية والمعنوية ، من اجل بناء مستقبل افضل لنفسه ولأسرته.(3)

 

 

المبحث الثاني

في العلاقة بين الفساد والفقر

المطلب الاول : الفساد يصنع الفقر

قال تعالى ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ). (4)

الصلة بين الفساد والفقر مؤكدة تاريخياً وعلمياً ، فمن الناحية التاريخية كان فساد الطبقة الحاكمة والضرائب الثقيلة التي تفرضها على الشعب سبباً في الثورة الانكليزية ( 1690) والثورة الأمريكية (1776) والثورة الفرنسية(1789) اللتان تكونت قاعدتهما من الفقراء والجياع وان قاد الاولى رجال الاقطاع والدين وقادت الثانية الطبقة البرجوازية الناشئة.

 ومن الناحية العلمية تعزز الدراسات المتلاحقة من ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي  الدليل المتنامي على أن الفساد يعيق الجهود الدولية الرامية الى انتشال ملايين البشر من براثن الفقر والجهل والمرض  لما يشكله من تهديد للتنمية الإنسانية في مختلف عناصرها ولهذا وصف مدير البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون الفساد بانه ( سرطان يقضي على اقتصاديات الدول(

ويذهب مؤشر مدركات الفساد لعام 2006. الى ان الفساد بجميع اشكاله المباشرة وغير المباشرة يساعد على زيادة حدة الفقر، خصوصا عندما يُسرق حق الفقراء وتساء إدارة الموارد العامة .وعلى  نطاق أوسع، يمكن ان يؤدي الفساد الكبير في نهاية المطاف إلى جمود اقتصادي وزيادة التباينات الاقتصادية والاجتماعية مع الوقت، عندما تجتمع في آن معا التكاليف المرتفعة لتوفير خدمات عامة والقدرات المنخفضة لجمع ضرائب.

 ويؤكد التقرير على وجود علاقة قوية بين الفساد والفقر في الدول التي تعتبر الأشد فقرا . ومن المؤكد ان الفساد ينجم عن سوء تخصيص الموارد وينزع لأن يكون أكثر شمولية حين يصل الامر الى ضياع الحق في الحصول على الفرص والحقوق بعدالة.  وقالت رئيس منظمة الشفافية الدولية مس لابيل بمناسبة صدور التقرير)  على الرغم من مرور عقد من التقدم في وضع قوانين ولوائح لمكافحة الفساد لكن نتائج اليوم تبين أن هناك الكثير مما ينبغي عمله قبل أن نرى تحسنا ذو مغزى في حياة أفقر المواطنين في العالم )(5) .

وأكد تقرير منظمة الشفافية الدولية لسنة 2005، أن الرشاوى التي يستولي عليها قلة من البشر على حساب غالبية المواطنين، تؤثر بشكل كبير على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، مثل: القضاء على الجوع الذي يعاني منه 1.2 مليار شخص يعيشون على أقل من دولار في اليوم، وتعميم التعليم الابتدائي بحيث يمكن ان يستوعب 113 مليوناً من الأطفال اضافيين محرومين من فرص التعليم في العالم، ولولا الفساد لامكن تخفيض وفيات الأطفال دون سن الخامسة بواقع الثلثين، حيث يموت 11 مليوناً من الأطفال الصغار سنوياً.

 ويقول رئيس المنظمة السابق ، بيتر ايجن، في عرضه لتقرير عن الفساد لعام  2005، ) يعد الفساد في المشاريع العامة الكبيرة الحجم، عقبة كبيرة أمام التنمية المستدامة، ويعد كارثة كبيرة على الدول المتطورة والنامية على حد سواء"، مضيفاً "أنه عندما يغلب الإنسان المال على القيم، تكون النتيجة إنشاءات رديئة الجودة وإدارة ضعيفة للبنى التحتية، وأن في ذلك مضيعة للمال، ونهبا لموارد الدول، وقتل أرواح في الكثير من الأحيان"، مؤكداً على ضرورة "المحافظة على الأموال والمعونات المخصصة لمشاريع إعادة البناء في بعض الدول، مثل العراق من خطر الفساد"، مضيفاً "يجب أن تكون الشفافية الشعار الأول، وخصوصا في هذا الوقت الذي تقوم فيه الدول المانحة بضخ مبالغ هائلة من أجل إعادة البناء في الدول الآسيوية التي

 تضررت بفعل مد تسونامي).

ويستدرك قائلاً ( ان الفضيحة التي تم الكشف عنها في برنامج النفط في مقابل الغذاء، الخاص بالعراق، اظهرت الحاجة الملحة لوضع قوانين صارمة فيما يتعلق بتضارب المصالح، واهمية الانفتاح في عملية المناقصات.(6)

و تخلص أبحاث معهد البنك الدولي إلى أن أكثر من تريليون دولار أميركي (1000 بليون دولار أميركي) تدفع رشاوى كل عام . وان هذا الرقم لا يتضمن اختلاس الأموال العامة أو سرقة الموجودات العامة.

 وتبين أبحاث معهد البنك الدولي أن البلدان التي تكافح الفساد وتحسن سيادة القانون فيها يمكنها أن تزيد دخولها الوطنية بما قد يبلغ الاربعة أضعاف على المدى الطويل ويمكنها أن تخفض وفيات الرضع فيها بنحو 75 في المائة. وان بلدا يبلغ نصيب الفرد فيه من الدخل 2000 دولار ، يمكنه اذا جابه الفساد وعمل على تحسين نظام الادارة العامة وسيادة القانون فيه ، ان يتوقع زيادة نصيب الفرد من الدخل فيه الى 8000 دولار امريكي على المدى الطويل (7) .

المطلب الثاني: آفــة الفقـــر

الفقر ظاهرة اقتصادية واجتماعية تاريخية موجودة في جميع المجتمعات ، وكانت ثورات الفقراء او الجياع  عبر التاريخ عاملاً حاسما في تغيير وجهة التاريخ السياسي للبشرية .

 وهي ظاهرة تناولتها الاديان السماوية بالاهتمام والرعاية ، وفي العصور الحديثة ادرك رجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع الاثار السلبية التي يمكن ان  يخلفها الفقر على المجتمع ومسيرة التنمية فيه .

 واهتمت الأمم المتحدة بموضوع الفقر واسبابه وطرق علاجه ، وفي هذا الاطار تم  تصنيف الدول إلى دول غنية ودول فقيرة ، ووضعت مقاييس ومؤشرات للفقر في الدول ،وهكذا توسّع الاهتمام بظاهرة الفقر من المجال الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع من المجتمعات إلى مجال العلاقات الدولية. وتشير بعض الحوادث الى عمق المآسي التي يخلفها الفقر:

 حادثة مدينة بوبال الهندية : في بداية عقد السبعينات تسربت مادة كيماوية سامة من أحد مصانع شركة يونيون كاربيد العالمية في مدينة بوبال الهندية ،وتسبب الحادث في وفاة خمسة الاف شخص في اليوم الاول للحادث بالإضافة الى اصابة مئات الآلاف من سكان المدينة فضلا عن الاضرار البيئية ،وعلى اثر ذلك قامت الشركة بإغلاق مصنعها الذي تسبب في تلك الكارثة ،وقد هزت تلك الكارثة ضمير البشرية جمعاء . الا أن الغريب في الأمر أن أهل مدينة بوبال ورغم ما حل بابنائهم واعزائهم من موت وعوق مارسوا ضغوطا قوية على الحكومة الهندية لإعادة  تشغيل المصنع ثانية .. وعلى اثر تلك الضغوط اعلنت أنديرا غاندى رئيسة الوزراء في ذلك الوقت من خلال خطاب عام لها , انه نظرا لحاجة الناس الى العمل في ظل بطالة ظالمة , وانه على الرغم من ان مصنع بوبال ملوث للبيئة وتسبب في مقتل واصابة الآلاف من ابنائنا، الا انه يجب اعادة فتحه ،واستدركت قائلة ( ان الفقر هو أخطر ملوث للبيئة ).(8)

وهكذا وافقت هذه الزعيمة الوطنية الخالدة مرغمة على اعادة تشغيل المصنع رغم مخاطره الجمة لكي يتمكن الفقراء من ايجاد قوت يومهم.

 

المطلب الثالث: صور من علاقة الفساد بالفقر

ـ في الوقت الذي كان الحصار الاقتصادي يشد الخناق على الشعب العراقي منذ  تسعينيات القرن الماضي ومتسبباً في المرض والفقر وتدهور البنى التحتية ونقص الخدمات وانتشار الجهل والجريمة بشكل خطير ، كانت عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء محل سلب ونهب من افراد الطبقة الحاكمة فضلا عن تورط جهات دولية عديدة منها موظفين على مستوى عال في هيئة الأمم المتحدة في اعمال السلب والنهب تلك ، فيما عرف بفضيحة كوبونات النفط.

ـ هربَ الرئيس الزائيري السابق موبوتو سيسي سيكو مبلغ ( 5 ) مليار دولار الى خارج بلاده في الفترة ( 1965 ـ 1997 ) ، وهذا المبلغ الضخم كان من الممكن ان يرفع من مستوى الصحة والتعليم والاستثمار في بلد فقير يعاني اهله من الجوع والمرض والفقر الدائم .

ـ جمع شقيق كارلوس ساليناس الرئيس السابق للمكسيك مبلغ (120) مليون دولار من عمليات فساد .

ومثل هذا المبلغ يمكن ان يوفر الآلاف من المساكن اللائقة لمن يعيشون في ما يعرف بمدن الصفيح ، فضلا عن المدارس والمراكز الصحية .

ـ يكلف الفساد الاقتصاد الأفريقي ( 148 ) بليون دولار سنويا ، أي ما يعادل 25 % من الدخل القومي لافريقيا ، مما يسبب ارتفاعا في الاسعار بمعدل (20 % ) .

ـ هناك ترليون دولار تفقد كل عام من الأموال المرصودة لتنمية المجتمعات . (9)

المبحث الثالث

ماهية الفقر ومقياسه

المطلب الاول: ماهية الفقر

يشمل مفهوم الفقر في الفكر الحديث اضافة الى الفقر المادي او اللامساواة الاقتصادية ، فقر التنمية الإنسانية الذي يعني الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص، فانعدام الرعاية الصحية او تدني مستواها وقصر العمر، وضعف المستوى التعليمي أو حتى فقدانه وتفشي الأمية، والعيش في مجمعات سكنية او عشوائيات تفتقر الى ابسط انواع الخدمات وغياب او ضعف شبكات الحماية الاجتماعية والاستنزاف العشوائي للموارد البيئية ، كل ذلك يعد فقراً وحرماناً واسباباً للفقر وللحرمان في ان واحد.

 واذا اعتمدنا معايير التنمية الإنسانية التي تعتمد مؤشر الفقر الإنساني، الذي يعرف الحرمان بقصر الأعمار ونقص التعليم وغلبة الأمية ونقص الخدمات الاساسية والحرمان واللامساواة في القدرات والفرص ، هو الأكثر استشراءاً من فقر الدخل في العراق.

واذا كان الفقر المادي ونقص الدخل يشكل عبأً على الاقتصاد، فأن فقر التنمية الإنسانية هو الأشد وطأة على الاقتصاد والنمو الاقتصادي والتنمية الإنسانية كونه يحد من قدرات الناس والبلدان على الاستخدام الأفضل لمواردهم الانسانية والمادية. (10)

 وعلى هذا النحو يمكن تعريف الدولة الفقيرة بأنها تلك الدولة التي تكون قدرتها على تحقيق قدر ملائم من المساواة الاجتماعية والحياة الكريمة والخدمات العامة لاعضاء المجتمع منخفضة.

وحسب تقرير التنمية 2000/ 2001 يتمثل الفقر الى حد كبير في انعدام الفرص بسبب عدم كفاية التعليم والتغذية، وضعف الحالة الصحية، وقصور التدريب او بسبب عدم القدرة على العثور على عمل يجزي القدرات الموجودة لدى الشخص الجزاء الاوفى.

 كما ان الفقر يتمثل ايضا في الضعف (بسبب عدم كفاية الاصول) امام الصدمات الاقتصادية المفاجئة الواسعة المدى، او حتى الصدمات الفردية كأن يفقد العامل البسيط قدرته على كسب قوت يومه كذلك، يعتبر الفقر انعدام القدرة على تغيير القوى الاقتصادية والاجتماعية التي تعمل على استمرار حالة الضعف امام الصدمات. ولايزال انخفاض الدخل او الانفاق، يرتبط في الغالب ارتباطا وثيقا بهذه الخصائص، ومن ثم فهو يعتبر معيارا سليما لتحديد طبيعة الفقر ومداه . . وتركز الورقة على ان الفقر يمكن تعريفه بوصفه حالة من الحرمان من المزايا او الركائز الاقتصادية والاجتماعية والبشرية وتشمل الاصول الاقتصادية والمادية الارض والماشية والسكن والمهارات والصحة الجيدة والعمل وغيرها من العناصر المادية التي توفر قاعدة لتوليد الدخل والانتاج سواء في الحاضر او في المستقبل اما الركائز البشرية فتشمل المهارات والمواهب. وعليه فان قدرة الافراد على مكافحة الفقر يمكن ان تزاد عن طريق التعليم والتدريب اللذين يتيحان المزيد من الفرص.

والفقر من الناحية الاجتماعية يعتبر شكلا من أشكال الإقصاء والتهميش يمسّ بكرامة الإنسان، ومن ثمّ فهو انتهاك لحق جوهري من حقوق الإنسان ينجرّ عنه انتهاك لعديد الحقوق المتفرعة، منها الحق في العمل والدخل المناسب والعيش الكريم والضمان الاجتماعي والصحة، الخ. وهي حقوق اقتصادية واجتماعية أساسية.

 ويذهب نلسون مانديلا الى ان الفقر هو "الوجه الحديث للعبودية"(11).

المطلب الثاني: مقاييـس الفقـر

 قدم تقرير التنمية البشرية الصادر عام 1997م عن برنامج الأمم المتحدة مقياسا لا يركز فقط على فقر الدخول ولكن ايضا على الفقر بوصفه احد وجوه الحرمان من الخيارات الفرص في العيش حياة محتملة ومقبولة ويعد مؤشر الفقر البشري مؤشرا مجمعا لثلاثة مؤشرات اساسية للحرمان هي : مؤشر للحرمان من حياة طويلة بصحة جيدة وهو يتمثل في نسبة الافراد الذين يتوقع الا يعيشون حتى سن الاربعين

والمؤشر الثاني هو مؤشر تعليمي معرفي يتمثل في نسبة الأمية، وتعبر هذه النسبة عن درجة الحرمان من التسلح بالعلم والمعرفة والمؤشر الثالث يقيس درجة الحرمان من مستوى معيشي لائق وهو يتكون من مؤشر مركب من نسبة السكان الذين لا يحصلون على مياه مأمونة ومؤشر غذائي صحي يتمثل في نسبة ناقصي الوزن من الأطفال دون سن الخامسة، وتعبر هذه النسبة عن درجة القصور في القدرة على تأمين الغذاء الجيد وما يرتبط به من حالة صحية جيدة.

ان مفهوم التنمية الانسانية اوسع من مفاهيم التنمية حتى تلك التي تركز على الانسان ، فتنمية الموارد البشرية تؤكد على رأس المال البشري فقط وتعامل الناس كمُدخل في عملية التنمية ،ولكن ليس كمنتفعين منها. ويركز مفهوم او نهج الحاجات الاساسية على متطلبات الانسان ، ولكن ليس على خياراتهم . وينظر نهج رفاه الانسان الى الناس كمنتفعين ولكن ليس كمشاركين فعالين في العمليات التي تشكل حياتهم. اما التنمية الانسانية فهي بأشتمالها على جميع هذا الجوانب، تمثل نهجا اكثر شمولاً تجاه التنمية.

قياس التنمية الانسانية: ان مفهوم التنمية الانسانية اوسع من أي من مقاييسه المقترحة.ولا يستطيع أي مقياس مقترح لأي مفهوم ان يعكس كلياً ثراء واتساع ذلك المفهوم.

مبدئياً،الخيارات الانسانية ونتائجها لا نهاية لها وتتغير بمرور الزمن . ولكن على كل مستويات التنمية،توجد ثلاثة عناصر اساسية، هي العيش حياة طويلة وصحية ، واكتساب المعرفة ، والوصول الى الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق. فاذا لم تتوفر هذه العناصر الاساسية، تظل فرصاً عديدة اخرى بعيدة المنال.

ولذلك فان تقرير التنمية البشرية لعام 1990 جمع مؤشراً مركباً، هو مؤشر التنمية البشرية، على اساس الابعاد الثلاثة للتنمية الانسانية. ويضم مؤشر التنمية البشرية اربعة متغيرات ، العمر المتوقع عند الميلاد ليمثل بعد الحياة الطويلة والصحية، ونسبة البالغين الملمين بالقراءة والكتابة، ومجموع نسب الالتحاق بمستويات التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية ليمثلا بعد المعرفة، والناتج المحلي الاجمالي الحقيقي، مقاساً بالدولار الامريكي ، ليكون مؤشراً بديلاً يبين الموارد المطلوبة لمستوى معيشي لائق. مقياس الفقر المادي :وكقاعدة عامة تحدد المؤسسات الدولية المعنية بالتنمية وحقوق الانسان عتبات الفقر المادي حسب مستوى المعيشة في كل بلد، باعتبار ان الفقر مسألة نسبية ، الا انها تورد معدلا عاما ينطبق على البلدان الفقيرة، مقدرة عتبة الفقر بمعدل دخل فردي دون الدولارين في اليوم، ومعتبرة ما دون الدولار الواحد علامة فقر مدقع (12).

                                     

المبحث الرابع

 الديمقراطية وحقوق الانسان

والجهود الدولية للحد من الفقر

المطلب الاول ـ الفقر والفساد عائقان امام الديمقراطية:

لا يشعر الفقراء عادة بقيمة الانجازات المعنوية على الصعيد السياسي والدستوري كالانتخابات الحرة وانشاء المجلس النيابي واقرار الدستور ذلك ان نتائجها تتجسد في المستقبل البعيد غير المنظور ، الا انه يشعر بقيمة الانجازات المادية ويقدرها فهو يقيم الحكومة التي تملأ بيته طعاماً وخبزاً واطفالاً أصحاء متعلمين يمكن ان يحصلوا على وظيفة في الحكومة.

 فالتهميش الاقتصادي والاجتماعي يرتبط بصلة وثيقة بالتهميش السياسي والديمقراطي. ويكفي على سبيل المثال أن نرى أثر الفقر في سير الانتخابات في بعض الدول حيث تصبح الأصوات كأية بضاعة تباع وتشترى.

ومن جانب اخر وثيق الصلة يعتبر كل من الفساد والفقر اعتداءاَ على حقوق الانسان ذلك ان  الفساد يؤدي الى هدر  الحقوق الاساسية .. كحقوق الأقليات.. وحق العيش بكرامة.. وحق الحصول على عمل.. وحق المساواة أمام الوظائف العامة، ولكي يتمتع الفرد بحقوقه الإنسانية كاملة يجب ان أن يمتلك الحد المعقول من اسباب الحياة ومنها ان يكون لديه مورد ثابت حتى يتمكن من مباشرة حق التعليم والحقوق الصحية وحق العيش بكرامة  .والحال انه في ظل غياب العدالة الاجتماعية ومع شيوع الحرمان والفقر فلا معنى للحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، فالمساواة ومناهضة التمييز والفساد شرطا ضروريا لكفاية أى نظام ديمقراطي حقيقي..

و منذ الثمانينات بدأ المجتمع الدولي بالربط بين الفساد والفقر وحقوق الانسان وابتداءا بصدور اعلان الحق في التنمية سنة 1986 الذي يستمد جذوره من المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) التي تنص على أن ( لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشتة في حالات البطالة والمرض والعجز والترمّل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته).

فضلا عن العهدان الدوليان لسنة 1966 ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،

وقد تمّ الربط بوضوح بين الفقر وحقوق الإنسان والحق في التنمية والحكم الصالح الديمقراطي في الوثيقة العملية الصادرة في أواسط 2003 عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية. وفي هذا الربط دليل على تزايد الاقتناع بترابط هذه العناصر وبأن الفقر ليس ظاهرة شاذة أو معزولة وإنما هو مسؤولية جماعية. لأجل ذلك تبنت القضية لجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ورددت صداها جميع تقارير المقررين الامميين في السنوات الأخيرة ولاسيما منهما الخاصين بما يسمى (الحقوق الجديدة) مثل التغذية والسكان الأصليين والسكن" فضلا عن تقارير منظمة العمل الدولية.(13) 

المطلب الثاني: الجهود الدولية في مجال الحد من الفقر

أشار تقرير( تحقيق التنمية الاجتماعية للجميع في ظل عالم يتحول الى العولمة) إلى وقوع تطورات إيجابية من حيث الاهتمام بالقضاء على الفقر في برامج السياسات الوطنية والدولية، ولكنها لاحظت أن التقدم المحرز في هذا اﻟﻤﺠال كان متقلبا وغير متساو. وفي كثير من البلدان، ازداد الفقر وتدهورت حالة تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية، مما ترك الكثيرين بدون إمكانية الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية. وقد تقوضت التدابير المتخذة للقضاء على الفقر من جراء عدم توفر الموارد، والمستويات غير الكافية من التنمية الاقتصادية، وفي معظم الحالات ازدياد سوء معدلات التبادل التجاري، فضلا عن الهياكل الأساسية الضعيفة والنظم الإدارية غير الفعالة. ومن العقبات الأخرى التي اعترضت سبيل القضاء على الفقر، التغييرات الديموغرافية، واستمرار التفاوت في إمكانيات الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية، وعدم توفر التعليم ذي النوعية الجيدة، وعدم المساواة في الحصول على التعليم بالنسبة للبنات، وبصفة خاصة تأنيث الفقر. (14)

الا ان اهم المبادرات التي استندت الى المبادرات السابقة تمثلت في الاهداف التي تبناها مؤتمر القمة العالمي للأغذية عام 1996 ومؤتمر قمة الألفية عام 2000 ، وتجسد الهدف الاساسي بالحد من الجوع وتقليل من عدد الجياع الى النصف مابين الفترة المرجعية 1990 ـ 2015 ، وتتمثل الاهداف المرحلية التي تساعد على تحقيق الهدف الاساسي بما يأتي :

1ـ القضاء على الفقر المدقع والجوع.

ـ تخفيض نسبة السكان الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد الى النصف في الفترة مابين  1990  و 2015 .

ـ تخفيض نسبة السكان الذين يعانون الجوع الى النصف في الفترة ، ما بين 1990  و 2015.

ـ الجوع يديم الفقر نتيجة خفض الإنتاجية.

ـ الفقر يمنع الناس من انتاج ما يحتاجون اليه من اغذية او الحصول عليها .

2ـ تعميم التعليم الابتدائي.

ـ تمكين الطفل في كل مكان الذكور والاناث من اتمام مرحلة التعليم الابتدائي بحلول عام 2015.                                                              

ـ الجوع يقلل من الانتظام  في المدرسة ويضعف القدرة على التعليم.     

ـ نقص التعليم يحد من الطاقة الربحية ويزيد من خطر التعرض للجوع                 

  تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المراة:

ـ  إزالة التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005 على الأرجح  وبالنسبة لجمع مراحل التعليم في موعد لا يتجاوز عام 2015.                              

 ـ الجوع يقلل من الانتظام في المدرسة في حالة البنات اكثر من البنين.                             

ـ عدم المساواة بين الجنسين يؤدي بالنساء ناقصات الأغذية الى انجاب اطفال منخفضي الوزن عند الولادة.                                                                               

  4ـ تخفيض معدل وفيات الأطفال:                                                         

ـ تخفيض معدل وفيات الاطفال دون سن الخامسة بمقدار الثلثين ، في فترة مابين 1990 و 2015.

ـ اكثر من نصف وفيات الاطفال، ينجم بشكل مباشر او غير مباشر، عن الجوع وسوء التغذية.

5ـ تحسين الصحة عند الولادة:

  ـ تخفيض معدل الوفيات عند الولادة بمقدار ثلاث ارباع ، في الفترة ما بين 1990 و 2015.                                                              

  ـ نقص الاغذية والمغذيات الدقيقة  يزيدان خطر التعرض الوفاة عند الولادة 

   6ـ مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الايدز والملاريا وغيرها من الامراض:

ـ بدء انحسار فيروس نقص المناعة البشرية/الايدز ووقف انتشاره بحلول عام 2015.

ـ بدء انحسار الملاريا وغيرها من الامراض الرئيسية ووقف انتشارها بحلول عام 2015.

ـ الجوع يحض على السلوك الخطر ويسارع في انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/الايدز.

ـ الاطفال ناقصوا الاغذية معرضون للموت بسبب الملاريا بأكثر من الضعفين عن غيرهم.

7ـ كفالة الاستدامة البيئية:

ـ دمج مبادئ التنمية المستدامة في السياسات والبرامج القطرية وانحسار فقدان الموارد البيئية.

ـ تخفيض نسبة المحرومين من مياه الشرب والمرافق الصحية الى النصف.

ـ الجوع يؤدي الى استعمال غير مستدام للموارد.

ـ استعادة وظائف النظام البيئي وتحسينها للحد من الجوع بين فقراء الريف.

8ـ اقامة شراكة عالمية من اجل التنمية:

ـ اقامة نظام تجاري ومالي يتسم بالانفتاح والشفافية وعدم التمييز والقابلية للتنبؤ به.

ـ معالجة الاحتياجات الخاصة لأقل البلدان نموا.

ـ المعالجة الشاملة لمشاكل ديون البلدان النامية.

ـ الاعانات والتعريفات الكمركية في الدول المتقدمة تعيق التنمية الريفية والزراعية والحد من الجوع.(15)  

وحسب تقرير اثر العولمة ينبغي أن يشكل تأثير السياسات فيما يخص تفاقم الفقر أو التخفيف من حدته مجالا يحظى باهتمام خاص. فعلى الرغم من أن القواعد المنظمة للأسواق العصرية تحكمها عادة احتياجات المؤسسات التجارية، إلا أن الشواغل الاجتماعية، من قبيل تأثير السياسات على العمالة أو حقوق العمال أدت دائما، إلى حد ما، دورا في إعداد هذه القواعد بفضل الضغوط التي يمارسها العمال. وهناك حاجة إلى ترويج هدف القضاء على الفقر وإدراجه في صلب السياسات الاقتصادية على الصعيدين الوطني والدولي. وكمثال على ذلك، فإن السياسات التجارية التي تراعي هدف القضاء على الفقر  يجب ان تشجع ممارسة أنواعاً من الأنشطة التي تستخدم تكنولوجيا أقل تطورا ويدا عاملة كثيفة تسهل عمل الفقراء، مثل النشاطات الزراعية وتوابعها وصناعة النسيج، وهي الأنشطة التي تواجه حاليا قيودا في الأسواق الدولية. ومن شأن اعتماد سياسات تجارية تخدم الفقراء أن تفسح قدرا أكبر من اﻟﻤﺠال أمام المزايا المقارنة التي تتمتع بها  البلدان الفقيرة.

 وترد في الوثيقة أيضا ستراتيجية للنمو تناصر الفقراء وتجمع بين السمات الدينامية للسوق وقدرة الفقراء على استغلالها من خلال تمكين هؤلاء الذين يعيشون في حالة من الفقر وتمكين المرأة، وإتاحة الفرصة للحصول على الموارد الإنتاجية، والعمالة الإيجابية، ، وتشجيع المشاريع والتعاونيات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وإمكانية الحصول على الائتمانات الصغيرة، وتشجيع الزراعة والتنمية الريفية، بغية الحرص على توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية للجميع، وتطوير النظم الصحية التي تناصر الفقراء، وتعزيز الأمن الغذائي، وذلك من بين تدابير أخرى. وعلى الرغم من التشديد على الجهود والاستراتيجيات الوطنية للقضاء على الفقر، فإن الصلة بين الجهود الوطنية وتمكين البيئة الدولية أمر واضح بالإشارة إلى بناء توافق للآراء مع جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة على جميع المستويات لتحقيق هدف تخفيض نسبة الذين يعيشون ، في حالة من الفقر بمقدار النصف بحلول عام 2015والحاجة إلى تعزيز التناسق بين الاستراتيجيات والبرامج الوطنية والدولية لمكافحة الفقر على جميع المستويات.وتعترف الوثيقة الختامية بمسؤولية الحكومات الأساسية في مجال توفير أو كفالة وصول الجميع إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية واستحداث نظم صحية وتعليمية مستدامة لصالح الفئات الفقيرة.

وفي مجال التعليم، تعيد الوثيقة الختامية تأكيد إطار عمل داكار بشأن توفير التعليم للجميع: الوفاء بالتزاماتنا الجماعية الذي اعتمده المحفل العالمي للتعليم في داكار بالسنغال في 26 و 28 نيسان/أبريل 2000وتؤكد الالتزام بالنهوض بأهدافه.

كما تعترف بأن تحقيق التعليم للجميع يتطلب دعما ماليا إضافيا وزيادة المساعدة الإنمائية الرسمية وتخفيف عبأ ديون البلدان النامية بما يناهز 8 بلايين دولار سنويا وأنه من الأساسي أن تعمد الحكومات والجهات المانحة الثنائية والمتعددة الأطراف والبنك الدولي والمصارف الإنمائية الإقليمية إلى عقد التزامات مالية جديدة. كما تشجع على اتخاذ إجراءات جديدة على الدولي، بما في ذلك إعلان عقد الأمم المتحدة لمحو الأمية لدعم الجهود الوطنية الرامية إلى حصول الجميع على التعليم الأساسي والخدمات الصحية الأولية بحلول عام .2015  

وهناك مبادرة أخرى هامة تتمثل في تشجيع البلدان النامية وغيرها من البلدان المحتاجة ومساعدتها على بناء قدرات للتعليم الثانوي والجامعي، فضلا عن التدريب على المهارات والتكنولوجيات اللازمة للمشاركة الفعالة في الاقتصاد العالمي الحديث القائم على المعرفة.

وفي مجال الصحة تعترف الوثيقة بان الخدمات الصحية التي تتحكم فيها شروط السوق بصورة صرفة قد تؤدي إلى إقصاء الفئات الفقيرة والمهمشة بعيدا عن الاستفادة من الخدمات الصحية الجيدة وتقترح القيام، عند الاقتضاء، باستطلاع إمكانية تعزيز برامج التأمين الصحي ذات القاعدة اﻟﻤﺠتمعية والتي لا تستهدف الربح باعتبار ذلك أسلوبا من الأساليب التي يمكن أن تدعم الحكومات في توفير الرعاية الصحية الأولية المتيسرة للجميع وتركز عدة مبادرات جديدة على الحاجة إلى توفير الأدوية الأساسية للبلدان النامية بأسعار معقولة.

. ومن هذه المقترحات، تشجيع الدول والجهات المعنية على توفير الحوافز للشركات التجارية، وخاصة في مجال الصيدلة، للاستثمار في البحوث الهادفة إلى توفير وسائل للعلاج بأسعار معقولة للأمراض التي تصيب بوجه خاص شعوب البلدان النامية.

 وتدعو الوثيقة منظمة الصحة العالمية إلى تعزيز الشراكات القائمة بين القطاعين العام والخاص في ميدان البحوث الطبية. وتؤكد الوثيقة على أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع البحث والتطوير في ميدان الأدوية،ومع هذا فإنها تلاحظ أن هذه الحقوق ينبغي أن تعود بالنفع على كل من منتجي ومستخدمي المعرفة التكنولوجية بحيث يتحقق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. وتعزيز الخيارات المتاحة للدول الأعضاء في إطار الاتفاقات الدولية لحماية وزيادة إمكانية الحصول على الأدوية الأساسية المنقذة للحياة.

وحسب هذه الوثيقة فان انعدام الأمن والأزمات المالية والفقر وعدم المساواة والاستبعاد والتهميش فيما يتعلق بعدد متزايد من السكان في جميع البلدان بل وحتى في مناطق بأكملها، يمثل بعض التحديات الخطيرة التي جاءت بها العولمة. كما وسّلم بوجود معوقات كبيرة تواجه زيادة الاندماج والمشاركة الكاملة من جانب كثير من البلدان النامية في الاقتصاد العالمي لا سيما أقل البلدان نموا، إلى جانب بعض الاقتصاديات التي تمر بمرحلة انتقالية. ووفقا لهذا التقييم يشتمل الجزء الثالث من الوثيقة على عدد من الإجراءات والمبادرات المقترحة التي تسلم بالحاجة إلى تعزيز قدرات البلدان النامية والبلدان التي يمر اقتصادها بمرحلة انتقالية لمعالجة المعوقات التي تحول دون مشاركتها في اقتصاد يتجه نحو العولمة بشكل متزايد(16).

بغداد في 11/5/2008

*****************

                                            

1-  بدأت أول عمليات التنقيب في مدينة نفر العراقية المقدسة في عام 1889م حينما قدمت بعثة آثارية من جامعة بنسلفانيا الاميركية. وقد نجم عن هذه التنقيبات التعرف على المدينة وتاريخها، وما قدمته للحضارة من حيث وجود ما يدل على أول مكتبة في التاريخ واول صيدلية واول من لعب كرة القدم، حيث عثر على لوحة تظهر رجلا وامام قدمه ما يشبه كرة القدم يداعبها. كما تم من خلال التنقيبات التعرف على اقسامها وتخطيطها وبناياتها وما فيها من معابد. وكذلك نصوصا اقتصادية ورياضية وفلكية وأدبية ودينية.و نفر او نيبور في المصادر الغربية هو الاسم الاصلي لها عند السومريين. هي العاصمة الدينية للسومريين والبابليين، وتقع على مسافة (7) كلم شمال شرق مدينة عفك احدى اقضية محافظة الديوانية،التي تقع على مسافة

( 175 )  كم جنوب بغداد. وتقع على الضفة اليمنى من مجرى الفرات الاقدم. والضفة الشرقية من شط النيل المندرس. وتأتي قدسيتها من كونها العاصمة الدينية ومقر الاله انليل وزوجته نينليل (نين ليل. وقد ورد ذكره في ملحمة كلكامش من انه هو الذي احدث الطوفان. وهي مقر الاله (آنو) الذي ورد ذكره في شريعة حمورابي.

كذلك وجد في مدينة نفر اقدم تقويم زراعي حيث يوجد فيه "اقدم المعلومات عن طرق الزراعة والارواء التي كان يمارسها سكان العراق القدامى وصلت الينا موضحة في تقويم سومري عثر عليه في خرائب مدينة نيبور ومن الغريب المدهش ان الاوصاف التي ينطوي عليها هذا التقويم تدل على ان طرق الري والزراعة التي كانت تمارس في تلك الازمان لا تختلف في شيء عن طرق الري والزراعة التي يطبقها الفلاح العراقي في الوقت الحاضر ويشتمل هذا التقويم على نصائح وارشادات يوجهها أحد المزارعين الى ولده حول طريقة إدارة شؤون مزرعته وطريقة اعداد الارض وانجاز عملية الحرث وتنظيم الري في حقله كي يحصل على اجود منتوج وأوفر محصول .. وهي تعد التقويم الاقدم المعروف في تاريخ الحضارة عن الاساليب الفنية للري والزراعة المتبعة في تلك الازمنة القديمة"

2 ـ انظر: بحث العلاقات الكويتية العراقية) الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية(إشراف المستشار أ.د. رمزي سلامة

إعداد نايف المطيري - باحث اجتماعي ، ماجد الديحاني - باحث اقتصادي، إبراهيم دشتي - باحث سياسي ــ نوفمبر 2003م

موقع مجلس الامة الكويتي (  http://www.majlesalommah.net/run.asp?id=831  )

وانظر بشأن  التقرير الاقتصادي العربي  موقع شبابيك نقلاً عن موقع اصوات العراق

 http://www.shababek.de/radiotv/modules/news/article.php?storyid=943

3ـ انظر التقرير السنوي لهيئة النزاهة 2005 و 2006.

4- سورة البقرة الاية 268

5-انظر  تقرير مدركات الفساد 2006 وانظر بهذا المعنى  جمانة غنيمات



7- اللواء د. محمد الامين البشري ، الفساد والجريمة المنظمة ص 13 وما بعدها .

8ـ منشور في موقع الشفافية الدولية، http://www.transparency.org/news_room/faq/corruption_faq#faqcorr1.

9ـ تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 ص47 .

10ـ انظر بهذا المعنى تقرير التنمية الانسانية 2002 ص5

11ـ انظر د . فهد محمود الصبري

http://www.npc-ts.org/modules.php?name=News&file=article&sid=73

12ـ تقرير التنمية الانسانية لسنة 2002 ص15.

13- ( يرجع تاريخ الاحتفال باليوم الدولي للقضاء على الفقر إلى يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1987. ففي ذلك اليوم اجتمع ما يزيد على مائة ألف شخص تكريما لضحايا الفقر المدقع والعنف والجوع، وذلك في ساحة تروكاديرو بباريس، التي وقِّع بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضافر بغية كفالة احترام تلك الحقوق. وقد نُقشت تلك الآراء على النصب التذكاري الذي رُفع عنه الستار ذلك اليوم. ومنذئذ، يتجمع كل عام في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر أفراد من شتى المشارب والمعتقدات والأصول الاجتماعية لإعلان التزامهم من جديد إزاء الفقراء والإعراب عن تضامنهم معهم. وقد رفع الستار عن نماذج للنصب التذكاري في شتى أرجاء العالم، حيث تمثل تلك النماذج نقطة تجمع للاحتفال بذلك اليوم. وهناك واحد من تلك النماذج في حديقة مقر الأمم المتحدة وهو موقع الاحتفال السنوي بهذه الذكرى الذي تنظمه الأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ومن خلال القرار 47/196 المؤرخ 22 كانون الثاني/يناير 1992، أعلنت الجمعية العامة السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر اليوم الدولي للقضاء على الفقر ودعت الدول إلى تخصيص ذلك اليوم للاضطلاع، حسب الاقتضاء على الصعيد الوطني، بأنشطة محددة في مجال القضاء على الفقر والعوز وللترويج لتلك الأنشطة. ودعا كذلك القرار المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية إلى مساعدة الدول على تنظيم أنشطة وطنية احتفالا باليوم، لدى طلبها ذلك، وطلب إلى الأمين العام أن يتخذ ما يلزم من تدابير، في حدود الموارد المتاحة، لضمان نجاح احتفال الأمم المتحدة باليوم الدولي للقضاء على الفقر.

إن السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر يمثل فرصة للإقرار بجهد ونضال من يعيشون في الفقر وتهيئة السبيل أمامهم للإعراب عن شواغلهم، ولحظة سانحة للإقرار بأن الفقراء هم من يقفون في مقدمة صفوف مكافحة الفقر. إن مشاركة الفقراء أنفسهم ظلت محور الاحتفال بذلك اليوم منذ بدايته. ويتجلى أيضا في إحياء ذكرى يوم السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر رغبة الفقراء في الاستفادة مما لديهم من خبرات كمساهمة منهم في القضاء على الفقر.

 ( المصدر: موقع الأمم المتحدة hp://www.un.org/arabic/events/poverty/2006/background.asp tt) ))_ (د. الطيب البكوش رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان )

14 - اللجنة التحضيرية للدورة الاستثنائية للجمعية العامة المعنونة مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية وما بعده: تحقيق التنمية الاجتماعية للجميع في ظل عالم يتحول إلى العولمةالدورة الثانية 3 ـ 14نيسان/أبريل( 2000البند 2 من جدول الأعمال المؤقت.

15ـ  تقرير حالة انعدام الامن الغذائي في العالم لسنة 2005 ، القضاء على الجوع السبيل الوحيد لبلوغ الاهداف الانمائية للألفية ، منظمة الاغذية والزراعة ـ  الأمم المتحدة ص2.

16ـ   المصدر الأمم المتحدة ـ الجمعية العامة الدورة الخامسة والخمسون الدورة الاستثنائية الرابعة والعشرون للجمعية العامة المعنونة المؤتمر العالمي للتنمية الاجتماعية وما بعده: تحقيق التنمية الاجتماعية للجميع في ظل عالم يتحول إلى العولمة 1 سبتمبر 2000، ص18 وما بعدها.تقرير الأمين العام.

11/5/2008

ـــــــــــــــــــ

فارس حامد عبد الكريم العجرش

ماجستير في القانون 

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاَ                                                           

باحث في فلسفة القانون                                             

والثقافة القانونية العامة
/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق