آفاق المعرفة والتقدم


آفاق المعرفة والتقدم

وآثر التعليم والغش في الامتحانات على التنمية الإنسانية

فارس حامد عبد الكريم
مقدمـة: 
تعيد الدراسات الحديثة في مجال التنمية الإنسانية التأكيد على حقيقة ثابتة هي أهمية التعليم وانظمته ووسائله في مجال نهضة الشعوب وتطورها ، ذلك ان الكثير من الدول وهي تدخل في خضم الصراعات السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية، قد بدأت في تقليص الميزانيات المخصصة للتعليم وتطوير وسائله ومناهجه.
ان التطور الذي تحقق بشكل قفزات هائلة في عدد من الدول الأسيوية التي كانت تعد من الدول شديدة التخلف قبل نصف قرن من الزمان إنما تحقق بفضل أنظمة متطورة وصارمة للتعليم.
وقد تبنت وزارة التربية العراقية في العام الماضي جملة من الإجراءات بشأن ضمان سير الامتحانات الوزارية بشكل طبيعي لسد الطريق امام عمليات الغش الجماعي التي برزت خلال السنوات الماضية في بعض المراكز الامتحانية ، وهي خطوة مباركة ولاشك وان تخللتها العديد من الثغرات التي لا تقلل من أهميتها .
 ان قيمة الشهادة العلمية العراقية هي أمانة في أعناق القائمين على العمليتين التربوية والتعليمية ، هذه الشهادة الرصينة التي اعترف بها عالمياً ، لقت وتلقى كل احترام وتقدير من المؤسسات العلمية والمهنية العالمية ، ونافست بامتياز كبرى الشهادات العلمية التي تمنحها المؤسسات العلمية العريقة .
وفي بعض المدارس والجامعات تدور أحاديث الطلبة حول طلبة مجهولين لا يرونهم الا في أيام الامتحانات ، وان منهم من يحصل علامات ممتازة وربما كانوا من الأوائل.
 كما يرد الى مسامعنا ان العديد من الأساتذة يرضخون لتوسلات الطلبة والطالبات بشأن منحهم درجات اضافية بذرائع وحجج شتى . ويبدو ان هذا الخلل اخذ يأخذ شكل ظاهرة يمكن ملاحظتها دون عناء .
والحال ، اننا  اذا كنا بصدد تنمية المجتمع العراقي تنمية مخطط لها وتقوم على خطط ستراتيجية مدروسة، فانه لا مجال للتسامح ابداً في مسألة التقييم العلمي ومنح الشهادة العلمية ، لان نتائج التسامح في هذا المجال ما هي الا خيانة للأمانة الثقيلة الملقاة على عاتق الأسرة التربوية والتعليمية ،فكيف يمكن الثقة بطبيب او محام او قاض او مهندس او ضابط .... حصل على شهادته عن طريق الغش او دون حصوله على تعليم كاف ؟،لا شك ان ذلك مدعاة للفساد وضياع الحقوق وفوات فرص التقدم والتنمية .
كما يلاحظ ان العديد من الجامعات وخاصة الأهلية منها قد توسعت في فتح العديد من الأقسام العلمية والإنسانية التقليدية، ولاشك ان هذا امر حسن ويزيد من نسب المتعلمين تعليماً عالياً، ولكن السؤال الذي يثار هنا هو هل ان العدد سيكون على حساب النوعية في ظل نقص في الكادر التعليمي المؤهل تأهيلاً عالياً ، وهل ان المناهج الدراسية والمختبرات العلمية تواكب احدث التطورات العلمية في مجالات الاختصاصات العلمية والإنسانية . وما هي جدوى تكدس اعداد هائلة من الطلبة في فرع علمي او أنساني معين دون غيره ليتخرج منه حملة شهادات يفوقون حاجة البلد أضعاف مضاعفة، في حين ان هناك علوماً مستحدثة في مختلف المجالات العلمية والإنسانية شرعت الجامعات في مختلف دول العالم بتدريسها لمواطنيها دون ان تصل تطبيقاتها الى بلدنا.
الفرع الاول : معيار رقي الأمم واثر الغش على المجتمع
اولاً : معيار رقي الأمم:
جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة )
ولهذا الحديث الشريف اسبقية تاريخية في وجوب العلم والسعي إليه في زمن كانت فيه جل الأمم تغفو في سبات عميق تحت ستار ظلام الجهل والتخلف والصراعات العصبية.
فمن الناحية التاريخية كان معيار قوة الأمم وتفوقها يقوم على اساس ما تملكه هذه الامة من رجال قادرين على القتال وعدد عسكرية تتفوق من حيث الكم والنوع على ما يملكه الخصوم من الشعوب الأخرى ، وعلى مدى حقبات طويلة من التاريخ هيمنت دول متعاقبة على العالم واكتسبت الثروات من خلال الفتح والغزو.

بينما يقوم معيار قوة الأمم وتطورها ورقيها في الشريعة الاسلامية الغراء والحياة البشرية الراهنة على اساس ما تملكه من معرفة ومؤسسات لتنمية المعرفة واستثمارها وتقف في مقدمتها المؤسسات التربوية والتعليمية الرسمية.

والتعليم هو تطوير وبناء القدرة البشرية ورفع امكانياتها وفق معايير سائدة في زمان ومكان معينين.

 ويعتبر التعليم حجر الزاوية في التنمية الإنسانية، وهو حق وهدف وغاية في حد ذاته ، فالمعرفة قوة بحد ذاتها للفرد والمجتمع، فضلا عما يوفره التعليم من فرص لتحسين الرفاه الاجتماعي وتأثيره المباشر على نمو الاقتصاد ورفع مستوى القيم والتحضر في المجتمع .

 التعليـم للجميـع وتحسين بيئة التعليم

في نيسان 2000 اعتمدت في داكار 164 حكومة بالإضافة الى مؤسسات شريكة ، اطار عمل يركز على تحقيق ستة أهداف ضمن برنامج التعليم للجميع تتعلق بتوسيع نطاق الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة ما قبل مرحلة الابتدائية، بين عمر 3 إلى 6 سنوات ،وتعميم التعليم الابتدائي ، وتنمية فرص التعلم للكبار والشباب ، ونشر محو الأمية ، وتحقيق التكافؤ والمساواة بين الجنسين في مجال التعليم ، وتحسين نوعية التعليم.

ان برنامج التعليم للجميع يقوم على الاعتقاد بأن بإمكان السياسات العامة ان تغير النظم التعليمية تغييراً جذرياً اذا ما توافرت الإرادة السياسية والموارد المالية.

اتجاهات البحوث في العلاقة بين التعليم والتنمية

خلصت دراسة أشار اليها تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية للعام 2002 الى ان رأس المال البشري والاجتماعي ـ المتعلم ـ يساهم بما لا يقل عن 64 % من أداء النمو ، بينما يسهم راس المال المادي ـ الآلات والبنى التحتية الأساسية ـ بنسبة 16 % من النمو ، بينما يسهم رأس المال الطبيعي بالنسبة المتبقية . وتظهر التقديرات العالمية الى ان زيادة نسبة خريجي المرحلة الثانوية بنسبة 1 % تقترن بزيادة تتراوح بين 6 ـ 15 % في دخل 40 % من أفقر السكان . وعليه كما يؤكد التقرير فان التعليم يخدم النمو والمساواة ، وان تكاليف تحسين التعليم قد تكون ضخمة الا ان كلفة استمرار الجهل لا حدود لها . (1)

وتشير البحوث الحديثة الى ان الاقتصاد العالمي الآخذ بالتوسع يتطلب توافر قوة عمل اكثر مهارة ، وبالتالي ، فقد اصبح التعليم الابتدائي الجيد وتطوير نظم التعليم الثانوي بما يعزز القدرات على حل المشكلات وملكة التفكير النقدي ، امرين اساسيين لتحقيق التنمية.

وتؤكد هذه البحوث الفوائد الإنمائية للتوسع في النظم التعليمية، بيد انها تشير الى ضرورة اعتماد سياسات تكميلية للتعويض عن اوجه التفاوت الموجودة وتحسين التعليم .

ويبين علم الأعصاب الإدراكي ، أن الطفولة المبكرة هي مرحلة حاسمة لاكتساب المهارات المعرفية ، وتشدد هذه البحوث على ضرورة توفير التحفيز المناسب لصغار الأطفال، ولاسيما من خلال برامج الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة.

وتذهب هذه البحوث الى ان المدارس تتيح اطاراً مؤاتياً لاتخاذ تدابير على صعيدي التغذية المدرسية والصحة من خلال اجراء فحوصات عامة دورية للتلاميذ فضلاً عن التلقيحات ضد الأمراض.

بينما يبين الأخصائيون في الاقتصاد الإنمائي بأن الآباء المتعلمين يتمتعون بحياة صحية اكثر من غيرهم ، ويكون الإنجاب لديهم محدوداً ، واطفالهم اقل عرضة للمرض.

وأوضحت بحوث اجريت مؤخراً تستند الى نتائج اختبارات في الرياضيات واللغات ان نوعية التعليم قد تكون اكثر تأثيراً في التنمية الاقتصادية من عدد سنوات التعليم.

وهكذا اصبحت الحكومات اكثر نشاطاً في توفير الرعاية والتربية للأطفال من سن الثالثة الى سن الالتحاق بالتعليم الابتدائي . (2) وفي الفترة ما بين 1999 ـ 2005 ارتفع مجموع الأطفال المنتفعين بالتعليم قبل الابتدائي حول العالم الى 132 مليون طفل. ويقدر تقرير رصد التعليم لسنة 2008 ان عدد الأطفال غير الملتحقين في المدارس في العراق بين 500 الى مليون طفل ،بينما تقدر نسبة القيد الصافي في التعليم الابتدائي بنسبة تتراوح بين 80 % ـ 89 % ، بينما تقدر النسبة في كل من ايران ومصر والجزائر وتنزانيا وقطر والبحرين باكثر من 90 % من الأطفال .

بينما تقدر نسبة الأميين في العراق بأقل من 1 % كنسبة مئوية من سكان العالم، بينما تتراوح النسبة بين 1 % ـ 4.9 % في كل من مصر والجزائر وإيران بينما ارتفعت النسبة الى 10% او اكثر في كل من الصين والهند. انظر(3)

وعلى هذا النحو شهد قطاع التربية والتعليم اهتماماً خاصاً منذ مطلع القرن العشرين وتزايد هذا الاهتمام بشكل خاص بعد ان تمكنت دول عديدة من امتلاك ناصية التطور والتقدم من خلال احداث تنمية معرفية كبرى كما في التجربة اليابانية التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مهزومة هزيمة مرة ولكنها تمكنت بفضل حيوية شعبها من تحويل الهزيمة الى انتصار ساحق في مجال العلم والتكنولوجيا مما اتاح لها غزو السوق العالمية بمنتجاتها الصناعية ذات المواصفات القياسية عالية الجودة. ولم يكن ذلك ممكن الحدوث لولا تبني اليابان نظم تربوية وتعليمية مدروسة وصارمة.

وبصدد التجربة اليابانية، يقول د. شهاب فارس في مقال له بعنوان التعليم في اليابان:

( شهد نظام التعليم الياباني، إصلاحات واسعة بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية في عام 1945م أتاحت إعادة توجيه المناهج والمقررات والكتب الدراسية، وبخاصة تلك المقررات التي تؤدي إلى إثارة النزعات الحزبية والطائفية، مثل مادة التربية الأخلاقية لتكون بشكل أقل من النعرة القومية والنزعة العسكرية التي كانت عليها قبل الحرب العالمية الثانية. )

ويضيف د. شهاب قائلاً: (ومن المعروف أن المدارس في اليابان هي التي قامت بغرس المعرفة التي ساعدت اليابان على التحول من دولة إقطاعية إلى دولة حديثة بعد ما يعرف بعصر ميجي (1868 ـ 1912 )،وكذلك في تحول اليابان من دولة مُنْهكة تتلقى المساعدات بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة اقتصادية كبرى تُقدم المساعدات لمختلف الدول النامية في العالم. ) (4)  

وأشار تقرير التنمية الإنسانية لسنة 2003 المعنون بـ ( نحو اقامة مجتمع المعرفة)

الى ان ( اكتساب المعرفة هو أيضا سبيل التنمية الإنسانية في جميع مجالاتها ، فالتنمية الانسانية في الجوهر هي نزوع دائم لترقية الحالة الإنسانية للبشر جماعات وأفراد من أوضاع تعد غير مقبولة في سياق حضاري معين الى حالات أرقى من الوجود البشري تؤدي بدورها الى ارتقاء منظومة اكتساب المعرفة ،وليس من سبيل الى هذا الارتقاء بالحالة الإنسانية في الطور الحالي من تطور البشرية الا اكتساب المعرفة وتوظيفها بفعالية ومن ثم يحق القول بأن البشر هم صانعوا المعرفة ولكنهم ايضاً صنيعتها) (5)

ثانياً ـ اثر الغش في الامتحانات على المجتمع

جريمة الغش في الامتحانات والتغاضي عنها اكبر خديعة ترتكب بحق المجتمع بل هي مؤامرة وخيانة كبيرة للمجتمع ، فالغشاش يمكن ان يتخرج من كلية الطب ليكون طبيباً لا يعرف معنى الأمانة الطبية او من كلية القانون ليكون قاضيا مرتشياً غير عادل او محاميا متآمرا على العدالة او سفيرا او رجل دولة انتهازي او صيدلي يمارس بيع الأدوية المغشوشة او استاذا يبيع الأسئلة .. فلا يتوقع ممن كان وصوله عن طريق الغش ان يكون مستقيماً وفاضلاً، ذلك ان الفضيلة تعني استعداداً دائماً ومستمراً للنفس البشرية لفعل الخير ورد الشر ونبذ الغش والفساد ، فالفضيلة تحمل طابع الدوام والثبات والتعود ، اما اذا اتخذ السلوك الفاضل صفة التقطع فلا يعد فضيلة ، لان التقطع يرتبط بالانتهازية والتحيز والفساد ، وعلى هذا النحو فان الانسان اما ان يكون فاضلاً على طول الخط او لا يكون . ومن يرتكب جريمة الغش في الامتحانات لا يتوقع ان يكون فاضلاً.

ذلك ان الغشاش إنما يزيح من هو اكفأ منه ومن بذل اكبر الجهد وسهر الليالي ، ليحل محله دون وجه حق.

 وهكذا ينزل الموهوب والذكي والمثابر والمجتهد الى ادنى سلم الترتيب كلما طفا على السطح من كان مستعداً للغش . وعلى هذا الحال من الظلم الاجتماعي المقيت لا يتصور احد بعد ذلك انه من الممكن ان ينهض المجتمع وينال سبل الرقي والتقدم.

وفي ضوء ما تقدم ينبغي ان تكون مسألة الرقابة على الطلبة اثناء الامتحانات من الإجراءات الجوهرية التي يجب ان تؤدى بكل أمانة ومن دون أي تسامح ، فالطالب الذي يغش او يحاول ان يغش يجب ان يطرد فوراً من قاعة الامتحان ويحال الى مجلس تحقيقي توجه اليه العقوبة المناسبة وفي حالة التكرار ينبغي فصله من المدرسة او الكلية مع مراعاة الفئات العمرية الدنيا من الطلبة ( الابتدائية ) وذلك باتخاذ اجراءات تأديبية وتربوية مناسبة بشأنهم.

اما بعد ، فان الذي يغش مجتمعه ، طالب يغش وأستاذ يتغاضى ، فانه ليس منه ، لان الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول ( من غشنا ليس منا ) ، وهذه شهادة كريمة تغني عن اية شهادة اخرى.

الفرع الثاني: عناصر العملية التربوية

يقوم نظام المعرفة الوطنية على مضامين متنوعة ، يقف في مقدمتها نظام التربية والتعليم السائد في مجتمع ما ، وعلى هذا النحو اشار تقرير التنمية الانسانية 2003 (نحو اقامة مجتمع المعرفة ) الى انه (تتكون المعرفة من البيانات والمعلومات والارشادات والأفكار او مجمل البنى الرمزية التي يحملها الانسان او يمتلكها المجتمع في سياق دلالي تاريخي محدد . وتضم المعرفة على سبيل المثال البنى الرمزية التي تمتلك عبر التعليم الرسمي والدروس المستفادة من خبرات العمل والحياة، وتشمل الحقائق والقصص والصور وموجهات السلوك البشري...).

 ومن جانب اخر يشير التقرير الى ان ( ... اكتساب المعرفة من خلال التعليم والبحث والتطوير الثقافي واشكال الانتاج الادبي والفني في النطاقين العالمي والشعبي وتوظيفها بفعالية هي وسائل التنمية الانسانية في بدايات القرن الحادي والعشرين وسواء ذلك في العمل لتوسيع نطاق الحرية وضمانها عبر اقامة الحكم الصالح او ضمان الصحة او ضمان مقومات الرفاه المادي والمعنوي ومن اهم ادوار المعرفة في هذا الصدد التمكين من اتخاذ القرار عقلانياً على المستويين الفردي والجمعي ) (6)

و حسب رؤيتنا، تقوم ستراتيجية العملية التربوية والتعليمية على عدة عناصر أساسية بعضها ثابت نسبياً والآخر متغير ،هي الطالب ، الأستاذ ، السياسة التعليمية والمنهج العلمي ، معايير التقييم ، الادارة التربوية ، وعلى النحو التالي:

اولاً ـ الطالـب :

 طالب العلم والمعرفة هو محور العملية التربوية برمتها وهو هدفها وغايتها ، وحصول الطالب على التعليم الجيد والملائم حق من حقوق الانسان ، وللطالب الحق ايضاً في الحماية من المنافسة غير المشروعة التي تتجسد بالغش في الامتحانات التي تؤدي الى ان يهدر حقه في الترتيب بين اقرانه من حيث علامات النجاح ، وحقه في الحصول على الامتيازات المتاحة للمتفوقين كالبعثات الدراسية والقبول في الدراسات العليا والتعيين في الوظائف العامة ، حيث تتبنى الدولة المتقدمة نظام اسبقية الطلبة المتفوقين في التعيين ،وغير ذلك من امتيازات تمنح على اساس الترتيب في النجاح.

وجاء في تقرير التنمية الانسانية لسنة 2003 (نحو اقامة مجتمع المعرفة ) بأنه ( في مضمون التنمية الانسانية يُعد اكتساب المعرفة احد الاحقيات الانسانية الاساسية التي يقوم للبشر حق أصيل فيها لمجرد كونهم بشراً (7) .

والطالب هو العنصر المتغير في هذه العملية ، واذا وجد خلل في نظام التربية والتعليم ، فلا ينبغي بأية حال من الأحوال ان يلقى اللوم على الطالب ، ففضلاً عن كونه عنصر متغير ، فان النظم التربوية السليمة هي تلك التي توضع بشكل يلائم الوضع العام للطالب متوسط القدرات حسب المعايير الوطنية السائدة ،ووضع الخطط الملائمة لرفع مستواه الثقافي والعلمي وقدراته في الأداء الى مستوى ارفع من المستوى والوضع الذي هو عليه. فيتحول عند تخرجه من شخص ضعيف او متوسط القدرات الى شخص عالي القدرات حسب التقييمات المعتمدة.

ان النظام التربوي الناجح هو ذلك النظام الذي يوفر لطلبة العلم العلوم المفيدة التي تسهم بشكل فعال في تطوير المجتمع وتنميته ورفع مستوى تحضره بما يبعد عن المجتمع شرور التخلف والجهل والمرض والتعصب والعصبيات ، مما يسهم في بلوغ الغايات الانسانية العليا وعلى ذات السياق يؤكد تقرير التنمية المشار اليه على ان ( ... وهكذا في العصر الراهن من تطور البشرية يمكن القول ان المعرفة هي سبيل بلوغ الغايات الإنسانية الأخلاقية الأعلى: الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ) (8)

والواقع ان النظام التربوي الذي يقوم على مثل المعيار المتقدم ، ما دام يقوم على اساس الطالب متوسط القدرات ، قد لا يكون كافياً لاكتشاف المواهب والعبقريات مما ينبغي ان يكون هناك ترتيب خاص لاكتشاف هذه المواهب ورعايتها بشكل خاص ومن بين هذه الترتيبات اقامة المسابقات العلمية والادبية والفنية. وتأسيس مؤسسات الرعاية العلمية والأدبية.

وفي هذا الاطار يقول د. شهاب فارس ( يركز اليابانيون على مبدأ الجد والاجتهاد أهم من الموهبة والذكاء الفطري للطفل ).

 وهو على خلاف ماهو معروف في الولايات المتحدة وكثير من الدول، ويتضح ذلك أيضًا من كثرة استخدامهم للكلمات التي تدل على الاجتهاد والمثابرة باللغة اليابانية مثل عبارة

(سأبذل قصارى جهدي) وعبارة (سأعمل بكل جدية)

فالطلاب اليابانيون يؤمنون بنصح مدرسيهم وابائهم بأن النجاح بل والتفوق يمكن أن يتحقق بالاجتهاد

 وبذل الجهد وليس بالذكاء فقط، فالجميع سواسية وخلقوا بقدر من الذكاء يكفيهم. فكل شخص يستطيع استيعاب ودراسة أي شيء وفي أي مجال وتحقيق قدر كبير من النجاح فيه من خلال بذل الجهد. ولذلك يستطيع الطالب أن يدرس أي مقرر دراسي حتى ولو كان لا يتناسب مع ميوله طالما توفرت العزيمة على بذل الجهد والمثابرة. فالنجاح والتفوق لا يتحددان باختلاف الموهبة والذكاء ولكن بالاختلاف في بذل الجهد.
ويُعتبر الطلاب اليابانيون من أكثر الطلاب في العالم إقبالاً على الدراسة، لأنهم تعلموا أن السبيل للوصول إلى وظيفة مرموقة هو الاجتهاد وبذل الجهد والمثابرة للقبول بمدرسة ثانوية مرموقة ومميزة ومن ثم جامعة مرموقة أيضًا. فيجب على الطلاب خريجي المدارس المتوسطة اجتياز اختبارات صعبة للالتحاق بالمدرسة الثانوية ثم بعد ذلك الجامعة التي يقع اختيارهم عليها، حيث إن دخول المدارس الثانوية والجامعة يتوقف في المقام الأول على نتائج هذه الاختبارات وليس فقط نتائج اختبارات المدارس المتوسطة أو الثانوية. ومن المعروف عن الطلاب اليابانيين بذل الجهد والاستعداد جيدا لاجتياز هذه الاختبارات، يساعدهم في ذلك الأسرة أيضًا بتوفير الظروف المريحة لاستذكار دروسهم. كما يوجد الكثير من الطلاب ممن يلتحقون بمدارس تمهيدية أهلية تختص بإعدادهم لاجتياز هذه الاختبارات.

ويضيف د. شهاب قائلاً...( ولذلك فإن رحلة الكفاح الدراسية للطالب الياباني كلها جد ومثابرة ومشقة إلى أن يستطيع الحصول على القبول بالمدرسة الثانوية ثم الجامعة التي يختارها.....وهذا يؤكد مدى المثابرة والجد في تحقيق ما يصبو إليها لطالب. ويؤكد أيضًا المقولة اليابانية الشهيرة (أربع ساعات نجاح، خمس ساعات رسوب) أي (أربع ساعات نوم تعني النجاح بينما خمس ساعات نوم تعني الرسوب) أي لتحقيق النجاح لا ينبغي النوم أكثر من أربع ساعات في اليوم ) (9)

وخلاصة القول ان الادارة التربوية ليس لها خيار ، مادام التعليم حق ، الا ان تقبل الطالب كما هو عليه وضعه ، وتقع على عاتقها امانة وطنية كبرى تتجسد في تطوير قابلياته ورفع مستواه المعرفي والحضاري وحمايته من الغش والمنافسة غير المشروعة من خلال وسائل وأساليب مدروسة وهادفة الى غاية معينة، ليتمكن من المساهمة في مسيرة بلده نحو العز والتقدم والرفاه الاجتماعي.

ثانياً ـ الأستاذ ( المعلم ، المدرس ، الأستاذ الجامعي) :

 الأستاذ هو الوسيلة الاساسية المنفذة بشكل مباشر للستراتيجية التربوية ، ولا تقل أهمية استقامة الأستاذ وامانته أهمية عن مستواه العلمي ومستوى تأهيله ، فالأستاذ الجيد هو المربي الفاضل ، لان هدف العملية التربوية لا يقوم على توسيع المعارف والقدرات فقط وانما إرساء القيم الاجتماعية الفاضلة والقيم العلمية وروح المنافسة الشريفة أيضا وروح التحضر وهذا لا يتحقق بالكفاءة العلمية وحدها .

وتقع على عاتق الأستاذ مهمات اساسية منها إيصال المعلومة المعرفية الى الطالب بأمانة وزرع القيم الأخلاقية في نفوسهم واكتشاف الطلبة الموهوبين ، وهذه المهام  واجب أخلاقي وشرعي ووطني قام به الأساتذة عبر التاريخ الإسلامي خير قيام ، وهكذا أشاد العلماء المسلمين في مؤلفاتهم بفضل أساتذتهم ورعايتهم لهم حتى تمكنوا من بلوغ المقام العلمي الذي هم عليه ، ويذهب تقرير التنمية الإنسانية ( نحو اقامة مجتمع المعرفة) الى ان ( لتقييم مستوى التعليم علينا تلمس قدرات المعلمين على تحفيز والتفاعل معهم وتشجيعهم على الابتكار والتفكير النقدي الخلاق) .(10)

يقول د. شهاب فارس عن دور المعلم في اليابان (كما أن المعلمين بالرغم من المركزية في الإشراف عليهم، إلا أنهم يتمتعون أيضًا بقسط من الحرية بصفتهم من هيئة صُناع القرار بالمدرسة وعلى رأسهم مدير المدرسة. وهم يجتمعون في ربيع كل عام لمناقشة وتقرير الأغراض التربوية للمدرسة، والتخطيط لجدول النشاط المدرسي لتحقيق تلك الأغراض التربوية وإعداد ذلك في كتيب كل عام. كما يقوم

المعلمون كذلك بعقد حلقات بحث أو «سيمنار» كل ثلاثة أشهر لإلقاء البحوث والنقاش حول نظريات التعلم ومشاكل العملية التعليمية. وهم يقومون بإدارة مدارسهم دون ضغط ملزم من جانب الوزارة وذلك تحت ظل سلطة اتحادهم. ولذلك يشعر المعلمون في اليابان بأهميتهم في صنع القرار لأنهم ليسوا مجرد موظفين تابعين لوزارة التعليم.)(11).

ويجب ان يلقى المعلمون والمدرسون والأساتذة كل عناية ورعاية منها ان ينالوا أفضل الرواتب وان تنظم دورات مستمرة لتدريبهم خارج العراق خاصة تمكنهم من الاطلاع على احدث العلوم وأسباب الرقي والتحضر لينقلوا كل ذلك الى تلاميذهم وطلابهم .

فما نحن جميعاً إلا صنيعة ذوينا وأساتذتنا .

ثالثاً: النظام والسياسة التعليمية والمنهج العلمي:

تشكل السياسة التعليمية العمود الفقري لخطة التطور في المجتمع ، ومن دون سياسة تعليمية محددة وواضحة المعالم لن تتمكن الادارة التربوية من الوصول الى الغايات المرجوة من التعليم بشكل سليم، وينبغي ان تكون من أولويات السياسة التعليمية ما يأتي:

1ـ تنويع مصادر التعليم ، فبالإضافة الى المنهج الدراسي ينبغي اعتماد وسائل اخرى مثل قاعات البحث والمختبر والحلقات النقاشية وإعداد التقارير الادبية والعلمية والسفرات العلمية ، وغير ذلك من أساليب مبتكرة.

2ـ وضع نظام دوري لتطوير الأساتذة في مجال العلوم الحديثة واخر ما وصلت اليه الأبحاث العلمية في مجال تخصصاتهم.في دورات تنظم داخل العراق وخارجه.

3ـ تشجيع التفكير النقدي الحر الذي يقوم على أسس موضوعية لا النقد لمجرد النقد.

4ـ تنمية الروح الوطنية بين الطلبة واشاعة قيم التحضر والرغبة في التطور والرقي الوطني.

5ـ زرع روح المساواة والمحبة والتآلف بين افراد المجتمع ونبذ الطائفية.

6ـ التأكيد على الاجتهاد والمثابرة كسبيل وحيد لنيل الشهادة العلمية.

7ـ الاهتمام باللغة العربية وتعليم اللغات الأجنبية باعتبارها مصادر أصلية للمعرفة في عالم اليوم.

 وفي هذا الصدد يذهب تقرير التنمية الانسانية للعام 2003 الى انه ( تعاني السياسات التعليمية في كثير من البلدان العربية من غياب رؤية متكاملة واضحة للعملية التعليمية وأهدافها ، فمشكلات محتوى المناهج وشكل الامتحانات وعملية تقييم التلاميذ ووضع اللغات الأجنبية كلها مسائل لن يتم حسمها بدون صياغة لرؤية واضحة متكاملة لهدف التعليم ومقتضياته) (12)

ويذهب التقرير الى انه ( تكرس المناهج الدراسية العربية الخضوع والطاعة ولا تشجع التفكير النقدي الحر ويتجنب محتوى المناهج تحفيز التلاميذ على نقد المسلمات الاجتماعية او السياسية، ويقتل فيهم النزعة الاستقلالية والإبداع) (13)

 وتختلف الدول في اتباع النظام التعليمي المطبق داخل الدولة فهناك دول تتبع نظام المركزية في التعليم وهناك دول تعتمد نظام اللامركزية بينما تمزج بعض الدول بين النظامين ، ويعتبر نظام التعليم في اليابان نموذجاً يحتذى به ، لانه قاد اليابان الى مصاف الدولة المتقدمة حضارياً وصناعياً

النموذج الياباني لنظام التعليم :

يمزج نظام التعليم الياباني بين النظام المركزي كأساس ونظام اللامركزية في التعليم ، كما انه يسعى الى بث روح العمل الجماعي وقيم التحضر والتعاون من خلال عدة وسائل .

وفي هذا الصدد يقول د. شهاب فارس ( تتميز اليابان بشكل عام بمركزية التعليم، أو نستطيع القول أن نظام تعليمها يغلب عليه طابع المركزية. ومن إيجابيات هذا المبدأ في التعليم توفير المساواة في التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب على مستوى الدولة بغض النظر عن المقاطعة أو المحافظة التي وُلدفيها التلميذ أو الطالب، وبذلك يتم تزويد كل طفل بأساس معرفي واحد سواء كان في شمال اليابان أو جنوبها أو وسطها وبغض النظر عن الحالة الاقتصادية لهذه المنطقة، حيث تقرر وزارة التعليم اليابانية الإطار العام للمقررات الدراسية في المواد كافة بل ويُفصَّل محتوى ومنهج كل مادة وعدد ساعات تدريسها، وبذلك يتم ضمان تدريس منهج واحد لكل فرد في الشعب في أي مدرسة وفي الوقت المحدد له. وعادة لا توجد اختلافات جوهرية تذكر بين المدارس في مختلف مناطق اليابان وكلها تتمتع بمستوى متجانس عال مع التفاوت في نوع التفوق فقط. والوزارة مسؤولة عن التخطيط لتطوير العملية التعليمية على مستوى اليابان، كما تقوم بإدارة العديد من المؤسسات التربوية بما فيها الجامعات والكليات المتوسطة والفنية. ومن المعروف أن المدارس في اليابان هي التي قامت بغرس المعرفة التي ساعدت اليابان على التحول من دولة إقطاعية إلى دولة حديثة بعد ما يعرف بعصر ميجي ( 1868 ـ 1912 ) وكذلك تحول اليابان من دولة مُنْهكة تتلقى المساعدات بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة اقتصادية كبرى تُقدم المساعدات لمختلف الدول النامية في العالم. ولكن في الحقيقية لا يعني ذلك أن مركزية التعليم مطلقة فاليابان فهناك قسط أيضًا من اللامركزية حيث يوجد في كل مقاطعة من مقاطعات اليابان مجلس تعليم خاص بها ، ويعتبر السلطة المسؤولة عن التعليم وإدارته وتنفيذه في هذه المقاطعة. ويتكون مجلس التعليم من خمسة أعضاء يعيّنهم رئيس المقاطعة أو المحافظ بموافقة مجلس الحكم المحلي الذي يتم تعيين أعضائه بما فيهم رئيس المقاطعة من قبل سكان المقاطعة. ويقوم هذا المجلس باختيار الكتب المناسبة لمقاطعته من بين الكتب المقررة التي عادة ما يقوم القطاع الخاص بطباعتها، ولكن بالطبع بعد الحصول على موافقة من وزارة التعليم عليها. ويقوم هذا المجلس أيضًا بإدارة شؤون العاملين بما في ذلك تعيين ونقل المعلمين من مدرسة لأخرى،كما يقوم بالإشراف على مؤسسات التعليم الاقليمية وتقديم النصح لها) .

ويضيف د. شهاب قائلاً(ويبدو أن مبدأ التمازج والتوازن بين المركزية واللامركزية يتلاءم مع نظام التعليم الياباني، ويعكس طبيعة التفكير اليابانية في المزج بين الثقافات والقديم والجديد. فالمركزية كانت موجودة قبل فرض قوات الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية مبدأ اللامركزية وغيرها من

الإصلاحات على نظام التعليم في اليابان بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. ولكن بعد أن استعادت اليابان سيادتها في عام 1952م، قامت بإلغاء بعض الإصلاحات التي فُرضت عليها ولم تكن مناسبة لها ومنها مبدأ اللامركزية.روح الجماعة والعمل الجماعي والنظام والمسؤولية(  ويضيف قائلاً
(يركز النظام الياباني للتعليم على تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية لدى التلاميذ والطلاب تجاه المجتمع بادئا بالبيئة المدرسية المحيطة بهم، مثل المحافظة على المباني الدراسية والأدوات التعليمية وغيرها.

(ويتضح أوج هذه المسؤولية وروح الجماعة والتعاون والاعتماد على النفس عند تناول وجبة الطعام في المدرسة. فمن المعروف أنه لا يوجد مقاصف في المدارس اليابانية، ولكن يوجد مطبخ به أستاذة تغذية وعدد من الطاهيات حيث يتناول التلاميذ وجبات مطهية طازجة تُطهى يوميًا بالمدرسة.

 ويقوم التلاميذ بتقسيم أنفسهم إلى مجموعات إحداها تقوم بتهيئة القاعة الدراسية لتناول الطعام، وثانية مثلاً تقوم بإحضار الطعام من المطبخ، وثالثة تقوم بتوزيع هذا الطعام على التلاميذ بعد ارتداء قبعات وأقنعة وملابس خاصة لذلك. وهذا بلا شك يؤكد الإحساس بالمسؤولية وروح الجماعة والاعتماد على النفس والانتماء إلى المدرسة والمجتمع، كما يوفر من ناحية أخرى ميزانية كان يُفترض أن تُرصد لهذه الخدمات.
وتتجلى هذه الروح أيضًا ليس فقط في مجموعات العمل الخاصة بالطعام والنظافة، بل في المجموعات الدراسية التي يقوم بتكوينها المدرس عندما يطلب من التلاميذ أو الطلاب الإجابة عن بعض الأسئلة أو حل مسألة مثلاً في الرياضيات أو إنجاز بعض الأعمال أو الأنشطة للفصل، وبعد المشاورات الجماعية بينهم يعلن واحد من هذه المجموعة باسمها الانتهاء من هذه المهمة. على أن يعاد تشكيل هذه المجموعات من فترة لأخرى أو حسب ما تحتاج الضرورة من وقت لآخر حتى لا تتكون أحزاب أو تكتلات داخل الفصل. وهذا النظام لا يعوّد التلاميذ الروح الجماعية فحسب، بل القيادة التي تتجلى أيضًا في تعيين شخصية مراقب الفصل أو رائده والذي يقوم في وقت غياب المدرس بتهيئة الفصل وتنظيمه وحل مشكلاته بما فيها مشاكل التلاميذ بين بعضهم بعضًا. ثم أخيرًا في نهاية اليوم الدراسي يقوم التلاميذ بعقد جلسة جماعية حيث يجتمعون ويسألون أنفسهم فيما إذا كانوا قد أتموا عملهم اليوم على أكمل وجه أم لا ؟أم أن هناك قصورًا فيما قاموا به من أعمال ؟ أو هل كانت هناك مشاكل ما ؟ وبلا شك إن هذه الطريقة في التعليم تستهدف روح الجماعة وتحمُّل المسؤولية والالتزام والقيادة،كما تشكل أيضًا قوة نفسية رادعة لكبح جماح السلوكيات الاجتماعية غير اللائقة تجاه المجتمع والغير.)

ومن المعروف أن نظام السنة الدراسية اليابانية يختلف عن معظم دول العالم حيث تبدأ الدراسة في أول شهر أبريل الميلادي وتنتهي في الخامس والعشرين من شهر مارس. ويعتبر عدد الأيام الدراسية وعدد الساعات في السنة أطول عددًا مقارنة بأي دولة أخرى، حيث يبدأ اليوم الدراسي عادة للطلاب من الساعة الثامنة صباحًا حتى الساعة الرابعة تقريبًا، أما المعلمون فعملهم حتى الساعة الخامسة ولكنهم يظلون في عملهم حتى السادسة والسابعة مساء. بالإضافة إلى ذلك تقل عدد العطلات التي تنقسم إلى عطلة الربيع والتي لا تزيد على عشرة أيام،وكذلك نفس المدة لعطلة رأس السنة الميلادية، ثم العطلة الصيفية التي لاتزيد على أربعين يومًا. وعلاوة على ذلك يقوم طلاب المدارس بالذهاب إلى المدرسة أثناء العطلة الصيفية لبعض الأيام تبعًا لبرنامج محدد مسبقًا، بالإضافة إلى تكليفهم بالقيام بواجبات ومشروعات تتطلب منهم جهدًا ليس بالقليل أثناء العطلة. كما يمارسون طوال العطلة نشاطات رياضية مثل السباحة وغيرها بالمدرسة

بشكل منتظم حسب برنامج العطلة المحدد مسبقاً من قبل المدرسة.

وكنتيجة ربما تكون طبيعية لهذا الجهد الدراسي خلال العام، ويحصل الطالب الياباني على أيام دراسية أكثر من أقرانه في أمريكا،ويحصل على درجات تفوق أقرانه في أمريكا وغيرها من الدول المتقدمة في مجالات المعرفة والمقررات الدراسية مثل الرياضيات والعلوم. ويقال أن مستوى التلميذ الياباني في سن الثانية عشرة يعادل مستوى الطالب في سن الخامسة عشرة في الدول المتقدمة. وهذا يدل على الرقي النوعي للتعليم في اليابان. وتبعًا لإحصائيتين أجرتهما «المؤسسة العالمية من أجل تقويم التحصيل التعليمي» لاختبار مدى الاستيعاب في مجال العلوم والرياضيات،حصل تلاميذ المدارس الابتدائية اليابانية على أعلى النقاط من بين تلاميذ المدارس الأجنبية الأخرى. كما جاءت نتيجة طلاب الثانوية اليابانيين من أعلى الدرجات أيضا.
ولكن وزارة التعليم اليابانية تسعى منذ حوالي عشر سنوات إلى إقناع الطلاب وأولياء الأمور بتقليل عدد أيام الدراسة للتخفيف عن التلاميذ والطلاب وتشجيعهم على الاستمتاع بوقتهم. وقد استمر النقاش حول هذا المشروع سنوات حتى تقرر إنجازه بمجلس النواب على مراحل، وذلك بجعل يوم السبت الثاني والرابع من كل شهر إجازة بدلاً من الدراسة نصف يوم..) (14)

رابعاً ـ  معايير التقييم:

تعـد معاييـر التقويـم او التقييـم من المسائل الجوهرية التي اعتنى بها الفلاسفة والحكماء على مر التاريخ ولا غرابة  فهي اسس وضوابط علمية للتمييز  بين ما هو عادل او ظالم ، او ماهو حسن او قبيح ،او ماهو خطأ او صواب . سواء في المجال الأخلاقي او الديني او القانوني او القضائي، وكان لهذه المعايير عند التطبيق العملي اثر بالغ على نهضة الشعوب وفي رسم صورة مستقبلها على اسس علمية راسخة . فالمعيار يضع الأشخاص والأشياء في اماكنها الصحيحة.

 اما في البلاد العربية  فأن الموضوع لا يكاد يذكر في الغالب بل ان صورته باهتة وغامضة سواء على الصعيد الرسمي او الثقافي او العملي .

وترتب على ذلك ان التقييم يقوم في الغالب على اساس التصور الشخصي لما يجب ان تكون عليه أحوال الاشخاص او الأشياء وهذا الأساس ذو طبيعة مدمرة في النهاية على مصير العلم والمعرفة وشخوصهما والحق وأصحابه ومصير العدالة في المجتمع عموما .

 وعلى سبيل المثال لا توجد لدينا معايير محددة وموضوعة سلفا للتقييم العلمي في العملية التربوية سوى المدرس او الأستاذ شخصيا ونتج عن ذلك ما يعرف (بالأستاذ الصعب) و(الأستاذ المتساهل) ومن ثم يتراوح معدل الدرجات والتقييم هبوطا وصعودا في شعبتين من قسم علمي واحد لاختلاف الأساتذة .

 كما تلعب عوامل الواسطة والنفوذ والسياسة والوضع الاقتصادي دورها في هذا النوع من المعايير الشخصية البحتة ، ولهذا لجأت الدول المتحضرة بعد دراسة تجارب انسانية متنوعة وعوامل النجاح والفشل الى معايير موضوعية ثابتة تتحمل شيئا من المرونة وهذه تسرى على كل من يتواجد في اقليم الدولة وفي كل مجالات النشاط الإنساني ولا تتأثر هذه المعايير بالعوامل والظروف الشخصية البحتة ولا بأشخاص القائمين على التقييم او مزاجهم او وضعهم النفسي .

 واذا استخدمنا المثال السابق مرة اخرى فأن وضع الأسئلة الامتحانية مثلاً ،يكون عن طريق الإجابة بعلامة صح او خطأ او ملء الفراغات مع حيز لأسئلة ذات طابع فكري وضعت إجاباتها سلفا اكثر مما تعتمد على مجرد الحفظ وان كان هذا لا يترك بالمرة . وحسب علمنا ان هذه التجربة نجحت تماما في العديد من الدول ومنها اليابان ومن ثم استفادت منها العديد من الولايات الأمريكية والدول الأوربية . (15) 

خامساً ـ الادارة التربوية:

 تقع على عاتق الادارة التربوية ( وزارة التربية ، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ) مهمات جوهرية اولها وضع خطة ستراتيجية للتربية والتعليم ومكافحة الفساد في قطاع التربية والتعليم ، من خلال الرقابة والإشراف .ونتحدث في هذا المقام عن مظاهر الفساد في هذا القطاع بشكل عام.

الفساد في قطاع التربية والتعليم:

 أطلق بحق على جريمة الفساد في نطاق التعليم وصف ( جريمة سرقة المستقبل ) .

وقد سبقت الإشارة الى ان غالبية دول العالم تخصص ميزانيات ضخمة للتربية والتعليم ، ألا ان الفساد يمتص اغلب هذه الموارد ويحرف المتبقي منها عن أهدافه . حيث يؤدي الفساد الى انحدار مستوى التعليم وضياع فرص توفر تعليم شامل عالي الجودة ، وبالتالي تدني مستوى التعليم الى أدنى مستوياته ، مما يلحق اكبر الضرر بفرص التقدم والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وتشكل الميزانيات الضخمة التي تخصصها الدول لقطاع التعليم هدفا للفاسدين، حيث يشير حيث يشير ملخص التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2007 الى ان اجمالي الانفاق الحكومي على التعليم كنسبة مئوية من الناتج القومي الإجمالي كالأتي: افريقيا جنوب الصحراء الكبرى )5.0%) ، الدول العربية (4.5%) ، اسيا الوسطى (%3.2) ، شرق اسيا والمحيط الهادي (4.7%) ، جنوب وغرب اسيا (3.7%) ، امريكا اللاتينية والكاريبي (5.0%) ، امريكا الشمالية وأوربا الغربية (5.7%) ، أوربا الوسطى والشرقية (4.9%) .كما ان حجم المعونات المقدمة إلى البلدان النامية المخصص للتعليم ارتفعت من 5.6) ) مليار دولار في عام 2000 الى 9.5) ) مليار في عام 2004 . (16) .

ويتجسد الفساد في أطار التعليم في الصور التالية:

1ـ  عدم وجود ستراتيجية واضحة للنظام التعليمي بما في ذلك تحديد نوع القيم التي يجب ان يوفرها التعليم للتلاميذ والطلبة ، وكذلك عدم وجود برنامج لتقييم الاداء والجودة في قطاع التعليم ، وعدم الاهتمام بنوعية وكفاءة القائمين على التعليم ، يعتبر نوعا من الفساد الاداري ، من وجهة نظرنا .

كما تعتبر اللامبالاة وعدم الاهتمام بالمظهر الخارجي للطالب ومراقبة نظافته، كما كان سائداً من قبل ، نوعا من الفساد .

2ـ عزوف المعلمين والمدرسين عن أداء واجباتهم التعليمية بصورة صحيحة في نطاق المؤسسة التعليمية كوسيلة للضغط على الطلبة لدفع الرشاوى المبطنة عبر واجهة الدروس الخصوصية.

3ـ إيقاع نسبة رسوب كبيرة بين الطلبة بوسائل متعددة منها وضع أسئلة تعجيزية او تحتمل عدة وجوه للإجابة ، مما يثير الذعر بين أوساط الطلبة وعوائلهم ومن ثم يضطرون الى دفع الرشاوى والهدايا الثمينة .

وتؤدي صور هذا النوع من الفساد الوارد في الفقرتين ( 2 و3 ) الى ضياع فرصة تمييز الطالب الموهوب المتفوق او العبقري عن أقرانه من أصحاب الكفاءات المتوسطة أو المتدنية ، وهذه ولاشك نتيجة خطيرة ، ذلك ان شخص موهوب او عبقري واحد يمكن ان يغير وجهة التاريخ .

4ـ وفي اطار الإدارة التعليمية المحلية ، تعتبر المشتريات المدرسية من اهم وسائل امتصاص الأموال المخصصة للتعليم ، حيث تدون في قوائم المشتريات أسعار تزيد عن الأسعار الحقيقية للشراء تصل إلى عدة أضعاف . وتصل الفروق بين السعر الحقيقي والسعر المزيف أحيانا الى مليارات الدنانير .

5ـ تعتبر مقاولات الأبنية المدرسية الأشهر في قضايا الفساد ، حيث تستخدم مواد أولية مخالفة للمواصفات المطلوبة مما يقلل من العمر التشغيلي لهذه الأبنية فضلا عن تدني كفاءة الأجهزة والأدوات المخصصة للمؤسسة ، كالمختبرات ومقاعد الجلوس ووسائل الإيضاح ، مما يستدعي استبدالها في أوقات قصيرة لتكون محلاً للفساد مرة أخرى .

6ـ تخصيص الدراسات العليا والمنح الدراسية على أساس الانتماء الحزبي والمحسوبية او المنسوبية او مقابل الرشاوى ، مما يعني استبعاد أصحاب الكفاءات الحقيقية الذين يمكن ان يقدموا انجازات علمية وفنية وثقافية حقيقية للبلد ، والنتيجة حملة شهادات عليا لا يملكون من قدرات الخلق والابداع شيئاً يذكر وهكذا تضيع فرص التقدم والتطور ، ويبقى المجتمع يدور في حلقة الجهل والتخلف.(17)

7 ـ الغش في الامتحانات: الغش في الامتحانات والتغاضي عنه من مظاهر الفساد وقد سبق بيان ذلك.

خاتمة البحث:

ان خلاصة القول في هذا البحث تتجسد بضرورة الاهتمام بمصادر المعرفة واولها التعليم والرسمي والقائمين عليه من معلمين ومدرسين واساتذة ، ومكافحة الغش كوسيلة للحصول على الشهادة فالغش والتغاضي عنه مؤامرة كبيرة على خطط التنمية ووسائل الرقي والتحضر.

 ونوصي في خاتمة بحثنا باتباع أسلوب الامتحانات الوزارية في الجامعات العراقية كافة وفي جميع المراحل وبشكل مركزي لضمان تحقق الهدف العلمي والغايات المرجوة من التعليم بشكل موحد وقابل للقياس وطنياً وضمان نزاهة الامتحانات وتحقيق العدالة الوطنية، ونلفت عناية المختصين هنا الى ظاهرة غير عادلة بسبب عدم مركزية الامتحانات في الجامعات وهي ان خريجوا الكليات الضعيفة يحصلون على درجات عالية جداً ومن ثم ينافسون في التقديم للدراسات العليا خريجوا الكليات العريقة التي لا تعطي الدرجات الا بشق الأنفس ، وحصل ذات مرة ان الطالب المتفوق الثاني في كلية القانون ـ جامعة بغداد ، لم يحصل على قبول في الدراسات العليا بعد منافسة خريجوا الكليات الأهلية الحديثة له. فهل من المنطقي والمعقول ان لا يقبل خريج متفوق من هذه الكلية العريقة.

فالحل الأمثل يكمن في  تعميم نظام الامتحانات الوزارية في الكليات والمعاهد كافة.  

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

الهوامش:

1ـ انظر: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 ص47 .

2ـ انظر ملخص التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع الصادر عن منظمة الامم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة ( اليونسكو ) لسنة (2008) ، ص8 ـ10 .

3ـ ملخص التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع، مصدر سابق ، مخطط ص14 ومخطط ص17.

4 ـ انظر، د. شهاب فارس ، بحث التعليم في اليابان ، منشور على الرابط


5ـ انظر تقرير التنمية الانسانية لسنة2003 ( اقامة مجتمع المعرفة)، ص37.

6ـ انظر تقرير التنمية ، مصدر سابق ، ص37ـ38.

7ـ انظر تقرير التنمية ، مصدر سابق ، ص37ـ38.

8ـ انظر تقرير التنمية، مصدر سابق، ص37ـ38.

9ـ انظر، د. شهاب فارس، مصدر سابق.

10ـ انظر تقرير التنمية، مصدر سابق ،ص52.

11ـ انظر، د. شهاب فارس، مصدر سابق.

12ـ انظر تقرير التنمية، مصدر سابق، ص54.

13ـ انظر تقرير التنمية، مصدر سابق ،ص53.

14ـ انظر، د. شهاب فارس، مصدر سابق.

15 ـ انظر بحثنا، المعيار القانوني ـ بحث في فلسفة القانون الوضعي، منشور على الرابط :

http://farisalajrish.maktoobblog.com

16 ـ انظر ملخص التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2007، ص19 وما بعدها.وكذلك انظر: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 ص 34 وما بعدها.

17ـ انظر بحثنا الجريمة والعقاب ـ ج2، جريمة سرقة المستقبل، على الرابط:


ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

    بغـداد في ـ 1/7/2008

فارس حامد عبد الكريم العجرش الزبيدي

ماجستير في القانون                                                                                 

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً

باحث في فلسفة القانون                                                                           

والثقافة القانونية العامة

موقعنا: الثقافة القانونية للجميع

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق