شلون تموت وانته من أهل العمارة[1]


 

شلون تموت وانته من أهل العمارة[1]


فارس حامد عبد الكريم
العمارة مدينة جميلة .. تمتد وتنحني مع نهر دجلة لتذوب معه في النهاية صانعة  منه اهواراً وقصباً وطيناً ممزوجين بطيبة اهلها ورائحة العنبر.
العمارة مدينة المثقفين ، ومن معطفها المائي وطينها الحر خرج  أدباء وشعراء وفنانين كبار دخلوا العاصمة وهم يحملون عبق صباحها الندي وغيم ومطر جنوبي ولهجة ألجا ، جا وين أهلنه... فتحولت إلى أغاني وقصائد والحان بنكهة الجنوب ، هزت روح ابن العاصمة وأشواقه البغدادية ونافست ( مقاماته ) التي تصعب منافستها.
عندما نقل والـدي القاضـي من مدينتنا الحلة الى العمارة عام 1973 ، قالوا قد جئت موسكو الصغرى بدون جواز سفر ، كانت لغتها شعراً وحركاتها فناً ومضائفها كتب وجرائد ودواوين وسـمك وخبـز طابـك ، وبلهجة الجـا كان الحب الميساني يغلف ايامها ويعطر اجوائها....بينما كان الجدل الديالكتيكي الممزوج بالغناء والمواويل بطور المحمداوي وطور الصبّيّ  هو ما يميز امسياتها على نهر دجلة.

والعمارة مدينة العشق والجمال ( يلي تريد الحِسن اخذه منهل العمارة ) .........و ( اسمر وين مربه ... شارب مي عمارة ) .

 وبين  ازقتها ودروبها، الجِديدة والسراي وعكد التوراة وسوق التربية،  طاردنا العشق الاول ولمع بريقه في عيوننا .

 وكأي مدينة عراقية نالت من ظلم الطاغية الشيء الكثير ، وكان شبابها يختفون تدريجياً في حروب و اعتقالات واغتيالات، حتى بات من المحرج ان تسأل عن صديق لئلا يأتيك الجواب بما لا تتمنى فتؤثر الصمت على السؤال.

وفي العمارة محلة اسمها عواشة ، كانت محلة البرجوازية كما يحلو لشباب العمارة ان يصفوها ، لانها محلة كبار الموظفين والتجار والإقطاعيين السابقين.

في ليل ميسان الندي وفي البساتين المقابلة لعواشة كنت تسمع كل ليلة صوتاً حزيناً شجياً يعبر النهر ، يغني الآه والانين والعشق العمارتلي الخالد ، كنا في موعد دائم معه ، الا ان هذا الصوت اختفى بعد حرب الثمان سنوات ، كما اختفت اصوات كثير من الشعراء والادباء .

كان صديقي الشاعر والفنان والاديب عبد الله حازم يمزح مع صاحب مقهى بيروت العجوز قائلاً:

ـ زاير ... شلون تفوت الطيارة المخطوفة فوك الكهوة مالتك وما تبلغ عنه.

كان الرجل العجوز يرد بجدية دون ان يدرك المزاح:

ـ جا عمي تريد تبلانه بلوه ... جا شني .. عمي اني ما اشوف...

كان محقاً ، ففي ذلك الزمن الاغبر كانت مجرد مزحة بريئة قد تقود الى حبل المشنقة.

كان عامل الميكانيك صالح الملقب بـ (صالح الطويل) ، يتمنى ان يجالس المثقفين ، فكان يتأبط (طريق الشعب) ويأتي ليشاركهم جلساتهم، والرجل انسان بسيط لا علاقة له لا بالثقافة ولا بالمثقفين ، الا انه وفي كل حملة تنال من (المثقفين) ، كان  صالح الطويل اول المعتقلين ، وبعد ان فتح أزلام الأمن دروباً وأزقة في وجهه ، قرر ان يتنازل عن تأبط ( طريق الشعب) وتأبط (الثورة) وفي يوم ميساني قائظ وهو ينتظر الباص ، وضع ( الثورة ) على الرصيف وجلس عليها ، فاعتقل بتهمة الجلوس على صورة ( الريس ) فحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً ، الا اننا لم نراه بعد ذلك. لقد اختفى المثقف المحبوب صالح الطويل من حياتنا .

وبعد انتهاء العمارة من انتفاضتها الشعبانية، كما روى لي طبيب صديق ، وبينما كان الناس يتجولون في اسواقها آمنين ، وبدون سابق انذار ، قصفت العمارة بالمدفعية الثقيلة بلا رحمة ، فسقطت الاجساد الطاهرة على الارض الطاهرة ، في الاسواق والشوارع ، ومنع اهل العمارة من رفع اجساد ابنائهم ، وبقيت اياماً وايام ، كان الاب منهم يقف على بعد امتار من جسد ابنه الممزق ، يبكي دون ان يستطيع ان يفعل شيئاً ، وحرس المقبور يدفعونهم بالعصي ، كان الابن الشهيد يرتدي بنطال كابوي تتدلى منه مدالية  غطاها الدم ولايتجاوز عمره الخمسة عشراً ربيعاً.... لك الله ياابن العمارة . وين يروح من كان الله خصمه.

وعندما هدم الطاغية قصر فتنة ومحمد العريبي وحكاياته القديمة اضحى شارعك الجميل كفم في وجه اثرم .... فما اتعس الطاغية حينما يسعى لهدم التاريخ، ولكن لا تحزني ابداً يعماره ، فالتاريخ لا يمحى رغم انف الطغاة وكل شيء يمكن ان يعود لمكانه بسواعد العمارتلي الاسمر وهلاهل العمارتلية الحلوة.

وأحفاد جلجامش العمارتلي ،كما يؤكد بعضهم، الذي اقتحم اهوارها باحثاً عن الخلود... لهم اليوم نهضة اسموها بشائر السلام ، نأملها كذلك  ونأمل ان لا تراق فيها قطرة دم عمارتلية واحدة كي لا يدوم الحزن ولا يبقى مجال للقول ( يعمارة ابنج بايع روحه )، الأهزوجة التي تردد كلما كان يراد تحريض ابن العمارة على القتال في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل. فروح ابن العمارة اليوم عزيزة بعد ان زال رمز البغي والعدوان والكذب المنقطع النظير.

يا ابن الكرم والعشق السرمدي والطيبة الجنوبية.. أيها المناضل منذ زمن كلكامش... يا صانع الحرف والفخار.. يا سومري .. يا صانع الحضارات العظيمة بلا منازع .. ( شلون تموت وانته منهل العمارة ) .

 وليش تموت وتفرح أعداءك.. نعم لا تليق بك الا الحياة فأبعثها في دروب العمارة واهوارها وأطوارها المحمداوية ، وساهم في ترتيب حروف وأبجديات العراق الجديد ، العراق الذي طالما تمنيته وحلمت به، واكمل نهضتك بسلام وادعونا لزيارتك فقد هزنا الشوق للأيام الخوالي.
16/6/2008
..............................................

فارس حامد عبد الكريم العجرش الزبيدي
ماجستير في القانون                                                                   

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً

باحث في فلسفة القانون

والثقافة العامة

 



[1] العمارة مركز محافظة ميسان في جنوب العراق.

هناك 3 تعليقات:

  1. کلام جمیل والتاریخ يشهد لهذا لكن السؤال يطرح نفسه هل السياسيون يعلمون هذا !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
    استاذي الفاضل العراق على مر العصور شهد ومازال يشهد اللاوطنية اي بمعنى الانسان العراقي متجرد من عراقيته لانه لو نادى بوطنيته التي دفنها منذوا الاحتلال البريطاني للعراق لكان العراق من يقود العالم في يومنا هذا
    مع الشكر الجزيل والتقدير لك استاذ فارس لانك تجعلنا نتذكر ونتالم على واقع العراق
    المحامي المستشار ايهاب الحديثي

    ردحذف
  2. جزيت خيرا يا ايها الانسان الرائع .. لكن السؤال الذي يطرح نفسه ماذا تتأبط انت الان :) محبتي

    ردحذف