السبت، 4 أكتوبر 2014

الفرق بين الأخيار والأشرار


الفرق بين الأخيار والأشرار


فارس حامد عبد الكريم

لفتت انتباهي ، وانا اتابع لغاية الرابعة صباحاً فضائية الحرية وهي تعيد نقل محاكمة المتهمين بجرائم قتل وتهجير الكرد الفيلية ، ثلاث وقائع:

1 ـ قال الشاهد كانت عملية تهجيرنا سريعة ، وعندما وجدنا انفسنا عند الحدود العراقية الإيرانية قال لنا الجنود سيروا إلى الأمام ولا تلتفتوا للوراء ابداً ، واي فرد منكم سيعود سنطلق عليه النار فوراً...

واستدرك قائلاً ،كنا بالمئات من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال وبعد مسيرة طويلة مؤلمة بين الجبال والوديان الخالية من البشر ، جلسنا في استراحة وناقشنا اسباب ما حصل معنا ، وتساءلنا مع انفسنا وبحثنا حتى توصلنا إلى فكرة ، عبر عنها بلهجته العراقية قائلاً:

 ( ربما ان العراق سيضرب بالنووي والجماعة خايفين علينه وخرجونا مؤقتاً خارج الحدود )

في الحقيقة والواقع ان العراقي اياً كانت قوميته او دينه او مذهبه ، هو على الأغلب الشائع ، انسان حسن النية وخير وشريف وكريم .

وهذا نابع من حسن طويته وتجربته الحضارية والمدنية التي تمتد بجذورها إلى اعماق التاريخ ، والانسان الحضاري المتمدن المتفتح عقلاً وضميراً على اعمال الخير ومساعدة الاخرين، ولأنه غير معتاد على اعمال الشر ، فان عقله ومنطقه يقودانه دائماً إلى تفسير الأشياء تفسيراً حسناً ويصعب تصوره للجرائم البشعة ، ويتصرف بتلقائية ويمارس اعمال بحرية وثقة بالناس دون شكوك أو هواجس أو ريبة من الاخرين ، لأنه يفتَرض انه لن يتعرض الى اعتداء شخص أخر. ونقطة التمييز عنده بين الخير والشر قد لا تكون واضحة دائماً مما يجعله عرضة للوقوع في حبائل ومكائد الأشرار.

بينما نجد ان الشخص البدائي الشرير الذي يقصد الاضرار بالغير ، كثير التوجس ، مرتاب ، عدواني ، لا يثق بالاخرين ، ويتجنب السير في وضح النهار ويتحرك في الخفاء حاملاً سلاحه ويهاجم غفلة أي شخص يشك في انه قد يهدد وجوده او يحتمل ذلك مهما كان ذلك الاحتمال بعيداً.

ومن تجربتنا في الحياة نؤمن بقوة ان في العراق غالبية عظمى من الأخيار ، الأخيار جداً ، لا تحدهم جغرافية معينة ولا يحتويهم دين او مذهب معين او قومية ما ، بل انهم يمتدون على جغرافية العراق كله وتحتويهم كل الأديان والمذاهب والقوميات، وعلى نفس المستوى توجد أقلية من الأشرار ، الأشرار جداً ، ومن سوء حظ العراقيين انها تولت عليهم وفعلت ما لا تفعله حتى الحيوانات في بني جنسها.

وعندما يدرك العراقيون بوضوح نقطة التمييز الحرجة بين الخير والشر فان التاريخ لن يعود للوراء ابداً، لان التاريخ لا يعود للوراء اصلاً ، الا في حالات معنوية نادرة هي حسن النية المفرطة والثقة بالاخرين اكثر مما يجب.

 

2 ـ قالت الشاهدة العجوز... تصور ياسيادة القاضي ان إحدى قريباتي كانت حاملاً في شهرها الأخير وكانت متزوجة من عراقي عربي ، وقبل تهجيرها نقلها افراد الأمن  إلى المستشفى وتم اخراج الجنين من بطنها بعملية جراحية وتم نقلها بعد ذلك مباشرة الى الحدود وتركت لوحدها ...

ان الشر في هذه الواقعة يقع في أحوال المطلق او ما فوق المطلق ... وقد لا يحتاج الى تعليق لإظهار مدى الشر الكامن في النفوس الشيطانية ، ولكننا نحلل الواقعة الى عناصرها الطبيعية والتعليق متروك لضمير القارئ:

ـ  كانت امرأة.

ـ كانت حامل.

ـ اجريت لها عملية جراحية.

ـ اخرج الجنين من بطنها في غير وقته الطبيعي.

ـ رميت عند الحدود بعد إنهاء العملية مباشرة وهي لا تزال تنزف دماً وتركت بدون ماء او طعام وسارت عشرات الكيلومترات على الأقدام بين الجبال والوديان الموحشة.

ـ انها بقيت على قيد الحياة، والحمد لله، وفي ذلك حكمة عظيمة، هي في حقيقتها ومعناها تعبير عن الفرق بين الخير والشر وصورة نادرة من صور انتصار الخير على الشر ولو كان الأخير مطلقاً.

 

3 ـ تبين لي من خلال سير الإجراءات في جلسة المحكمة ، ان الضحايا لا يزالون ضحايا ، وان أية يد حنون لم تمتد اليهم بالرعاية الواجبة لتعيد اليهم حقوقهم المغتصبة، وإنهم ما برحوا يتعرضون للابتزاز والتهديد والوعيد ، رغم ان القضاء قد حكم  بإعادة حقوقهم اليهم لكن بدون تنفيذ ، فما أسرع يد الشر التي امتدت اليهم وأخرجتهم من ديارهم دون وجه حق ، وما ابطأ يد الخير ... .

 

  كنا نؤمن منذ بداية محاكمة أزلام النظام السابق بان الشياطين لن ترضى عنا ، حتى لو اوقدنا العشر من الشموع وكفلت لهم جميع الضمانات القانونية ، وإنهم سيبقون يرددون ويصرخون ببطلان المحاكمة بزعم انها واقعة تحت ظل الاحتلال ، وهي طبعاً حجة واهية لان الحياة لا تتوقف ولا يمكن ان يحجمها منطق بطلان ، لان الحقيقة هي واحدة في النهاية، وعين الشمس لا يمكن ان تحجب بغربال ، والمجرم يبقى مجرم سواء حوكم في ظل احتلال او غيره ،وهذا ما حصل في حالات عديدة في تاريخ العراق ودول الجوار المليء بالاحتلالات من كل لون وصنف ،  فالمهم ان يطبق القانون وتسير الاجراءات القضائية سيراً طبيعياً.

بل ان زملائهم من المجرمين عقدوا تحت ستار تنظيم القادة العديد من المحاكمات الصورية والارتجالية وقطعوا رقاب مئات الابرياء  دون أية ضوابط قانونية او أخلاقية وفي ظل الاحتلال.

وكنت ارى في التزام القضاة الأفاضل بكل دقة بالإجراءات الشكلية والموضوعية أمر حسناً ولكن ليس في كل الأحوال ، حيث اني اعتقد ان العدالة ، وهي معيار الموازنة ، تقتضي ان يكون للدفاع والادعاء العام ومحامي الضحايا نفس ما توفر للمتهمين من حقوق.

ففي الوقت الذي حاول فيه المتهمين الدفاع بالاسلوب السياسي عن انفسهم وبدأوا يتحدثون عن ما يسمونه بالثورة ومنجزاتها وعن الاحتلال والمقاومة وفي ذلك خروج واضح عن اجواء الدعوى ومقتضياتها ، أقول كان ينبغي ايضاً ان يسمح للادعاء العام والضحايا ومن باب المساواة ( ان يخرجوا عن الموضوع ) لمصلحة العدالة الحقيقية والتاريخ ويردوا عليهم ويذكرونهم ويسمعوا العالم والإنسانية جمعاء بنفس الوقت بالجرائم الهائلة التي ارتكبت بحق العراقيين.

قد لا يكون ما ذكرناه قانونياً من الناحية الشكلية مئة في المئة ولكنه عادل بالتأكيد، لان القانون يهدف في النهاية الى ترسيخ العدل حتى لو اضطررنا في بعض الأحيان الى تجاوز بعض الشكليات التي تقف حجرة عثر في طريق تطبيقه، وهنك امثلة كثيرة عن احكام قضائية رائدة بهذا المعنى اصدرتها محاكم فرنسية ومصرية(1).

الواقع ان القاضي الفاضل قد حقق لي شيئاً من امنياتي بطريقة قانونية ، ،عندما عقد مقارنة بين محاكمات الأمس البغيض ومحاكمات الحاضر العراقي المشرق الذي كفل ضمانات لمتهمين كانوا يعدمون الناس بالجملة في قضية لا تتجاوز اوراق اضبارتها وحيثياتها، الورقة او الورقتين. وكذلك عندما ناقش المتهمين في طبيعة الجرائم وعدم قانونية الاجراءات وعن دواعيها وأسبابها وندرة وجود امثلة تظاهيها...

لا شك انها محاكمة قانونية غير تقليدية ولكنها صورة ناصعة للعدالة الحقة.

 

بغداد في 10 / 3 / 2009

........

1 ـ انظر بحثنا المعنون ( القصور في التشريع).

.......

فارس حامد عبد الكريم العجرش

ماجستير في القانون

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً                               

باحث في فلسفة القانون                          

والثقافة القانونية العامة

    بغداد ـ العراق     

   البريد:                                                             

farisalajrish@yahoo.com     

موقعنا: الثقافة القانونية للجميع

h

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق