السبت، 4 أكتوبر 2014

مدى صلاحية الادارة في الغاء وسحب قراراتها الادارية


مدى صلاحية الادارة في الغاء وسحب قراراتها الادارية


فارس حامد عبد الكريم

لاحظنا في الآونة الأخيرة انتشار ظاهرة الغاء القرارات الادارية في مختلف وزارات ومؤسسات الدولة ،وكثرة الدعاوى امام مجلس الانضباط العام والقضاء الاداري طعناً بتلك القرارات، ويبدو ان عدم الالمام الكافي بقواعد القانون الاداري ومقتضيات العمل الاداري ذات الطبيعة الخاصة هي السبب من وراء تلك القرارات، ومن الواضح ان الأخطاء الادارية أمر متوقع بسبب زخم العمل الاداري او الحداثة في تولي العمل الاداري، ولا يعد ذلك عيباُ إلا في حالة الاستمرار في الخطأ دون اللجوء الى تصحيحه من خلال المعرفة باحكام القانون الاداري واحكام القضاء والنظريات الفقهية التي تؤسس لعمل اداري سليم، فما وضعت هذه العلوم والمعارف الا لتطبق في العمل لا لتبقى اسيرة المكتبات والرفوف التي يعلوها الغبار.

 ونضع بين يدي اداراتنا الصالحة بحثاً موجزاً بهذا الصدد، كما ونقترح، من باب سد الذرائع، ان تتولى كليات القانون وكليات الادارة في بلدنا الحبيب تنظيم دورات مشتركة للقادة الإداريين ولعموم الموظفين متعلقة بأصول القرار الاداري وعلومه واحكامه حتى لا يكون الجهل بتلك العلوم سبباً للفساد الاداري أو المالي. 

المطلب الاول:  في طبيعة القانون والقضاء الاداري

من المعلوم ان القانون الاداري قانون حديث النشأة وان اغلب قواعده هي من خلق الفقه والقضاء، وعلى هذا النحو فان مهمة القاضي الاداري، بخلاف القاضي المدني والجنائي بما لهم من رصيد تاريخي مستقر من القوانين والأحكام، هي مهمة صعبة تتطلب قدراً عالياً من الذكاء والقدرة على ابتكار الأحكام التي يتطلب تحققها التوافق بين المبادئ العامة للقانون ومتطلبات العمل الاداري وضمان حسن سير المرافق العامة، ولا يتحقق هذا الا اذا كان القاضي الاداري يجمع بين الالمام بالنظريات القانونية المتعلقة بالعمل الاداري فضلاً عن المامه بطبيعة العمل الاداري ومتطلباته.

وللقاضي الاداري مهمتين أساسيتين، أولهما التصدي لتعسف الإدارات العامة تجاه المواطنين بما تصدره من قرارات غير مشروعة، وثانيهما الموازنة بين المصالح العامة والمصالح الخاصة لضمان حسن سير المرافق العامة.

 ولا ينفي عن القرارات الادارية صفة عدم المشروعية انها صدرت لتحقيق مصلحة عامة ما دامت قد خرجت عن مقتضى الأغراض القانونية تطبيقاً لقاعدة تخصيص الأهداف. 

والقرار الإداري يخضع لمبدأ المشروعية ، بمعنى وجوب ان تتم جميع تصرفات السلطات العامة في إطار القواعد الدستورية والقانونية وإلا كان التصرف معيبا وباطلا يستوي في ذلك ان يكون التصرف ايجابيا كالقيام بعمل اوسلبيا كالامتناع عن عمل يوجبه القانون ، وعدم مشروعية القرار قد ترتب المسؤولية الجنائية عند توفر أركانها .

والأصل ان تتمتع القرارات الادارية بقرينة المشروعية ، بمعنى انه يفترض فيها انها قد صدرت صحيحة ومشروعة ، الا انها قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس ، اذ بإمكان صاحب المصلحة في الطعن بالقرار الاداري ان يقيم الدليل على ان القرار الاداري مشوب بعيب من عيوب عدم المشروعية سواء من خلال التظلم من القرار امام الجهة الادارية التي أصدرته أو امام القضاء الإداري ومنه قضاء مجلس الانضباط العام وهو قضاء اداري مختص بالنظر في الدعاوى الناشئة عن تطبيق قانون الخدمة المدنية .

وتنقسم القرارات الادارية من حيث مداها وعموميتها الى نوعين من القرارات, قرارات فردية وقرارات تنظيمية .

 والقرار الفردي هو القرار الذي يتعلق بفرد او مجموعة من الأفراد محددين  بذواتهم ومثاله تعيين موظف او نقله او القرار بقبول الطلبة في الجامعات .

 اما القرارات التنظيمية وتسمى في العراق بالأنظمة والتعليمات وفي مصر باللوائح فهي تلك القرارات الصادرة من السلطة التنفيذية والتي تتضمن قواعد عامة مجردة ملزمة تخاطب الأفراد بصفاتهم لا  بذواتهم وغير محددين سلفا وهي بهذه الحال تشبه القوانين من حيث الخصائص وتصدر حسب الأصل من السلطة التنفيذية لتسهيل تنفيذ قانون صادر من السلطة التشريعية ، ومن أمثلتها أنظمة الوزارات والجامعات وتعليمات رخص القيادة وحيازة الأسلحة وغيرها . وكلا نوعي القرارات الادارية يمكن ان تصدر معيبة فتكون محلا للطعن امام القضاء.

ويقصد بعيوب القرار الاداري ، أو حالات إلغائه ، حالات عدم المشروعية التي تصيب القرار الإداري والتي يمكن أن تؤدي الى الغائه عن طريق الادارة التي صدر عنها أو عن طريق دعوى الإلغاء .

 

المطلب الثاني: مدى قابلية القرار الاداري للإلغاء والسحب

قدر يصدر قرار اداري من جهة ادارية معينة يمس حقوق الموظفين او المواطنين وقد تلغي الادارة قراراً إداريا سبق لها ان أصدرته فيمس هذا الالغاء الحقوق المكتسبة (1) ، وفي مثل هذه الأحوال أتاح القانون لكل ذي مصلحة ان يبادر للطعن به امام القضاء الاداري، والقضاء الاداري قد يقر الادارة على عملها او ان يلغي قراراها استناداً الى قواعد المشروعية في العمل الاداري، وعلى هذا النحو فان الالغاء والسحب قد يكون إداريا او إلغاءا قضائيا.

الفرع الاول: الالغاء الإداري

الغاء القرار الاداري هو عمل قانوني يصدر عن جهة الادارة بإرادتها المنفردة بقصد إنهاء اثار قرار اداري بالنسبة للمستقبل دون المساس بالآثار التي تمت قبل الغائه.

واختصاص الالغاء يتحدد بالسلطة التي أصدرت القرار أو السلطة الرئاسية التي تخضع لها وأية سلطة ادارية اخرى يخولها المشرع هذا الحق.

فلرئيس الوزراء الغاء أي قرار اداري صادر من وزارات ومؤسسات السلطة التنفيذية استناداً لسلطته الرئاسية على تلك الوزارات والمؤسسات.

ولتحديد مدى مشروعية الالغاء ومدى حق الادارة في الغاء قرارات ادارية سبق ان اصدرتها، ينبغي التمييز في هذا المجال بين القرارات التنظيمية (الأنظمة ،التعليمات ، اللوائح ) والقرارات الفردية .

أولا ـ الغاء القرارات الادارية التنظيمية

تصدر الإدارات العامة قراراتها التنظيمية بموجب ما خولها الدستور والقانون لتسهيل تطبيق القوانين، ونصت الفقرة (ثالثا) من المادة (80) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على انه  (يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الاتية... ثالثا: اصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين .)

وتشتبه هذه القرارات بالتشريع من حيث انها تتضمن قواعد قانونية عامة مجردة وتنشئ مراكز قانونية عامة غير ذاتية،فهي تخاطب الإفراد بصفاتهم لا بذواتهم بقصد تنظيم المؤسسات والمصالح العامة، ولما كانت القرارات التنظيمية بصفتها هذه لا ترتب حقوقاً مكتسبة فللإدارة الحق في تعديل او الغاء او إبدال قراراتها الادارية التنظيمية في اي وقت تراه مناسبا لذلك تحقيقاً للمصلحة العامة.

وينبغي ملاحظة ما يلي بهذا الصدد:

1 ـ ان قدرة الادارة على الغاء قراراتها الادارية في أي وقت لا يعني انها غير ملزمة لها، فما دامت هذه القرارات نافذة ولم تلغى فانها ملزمة للإدارة وللإفراد المخاطبين بها على حد سواء.

2 ـ الغاء القرار الاداري التنظيمي لا يعني الغاء القرارات الادارية الفردية التي صدرت تنفيذاً له، فهي القرارات تبقى نافذة ومنتجة لأثارها ، تطبيقاً لمبدأ عدم جواز رجعية القرارات الادارية الى الماضي.

3ـ يلغى القرار التنظيمي أو يعدل بقرار تنظيمي مماثل من الجهة الادارية التي أصدرته أو من الجهة الرئاسية التي تتبعها تلك الجهة أو أية سلطة خولها القانون ذلك.

4 ـ تتبع ذات الإجراءات الشكلية المطلوبة في إصدار القرار التنظيمي عند الغائه او تعديله ، فإذا تطلب الإصدار النشر في الجريدة الرسمية فان الأمر يتطلب نشر الالغاء والتعديل في الجريدة الرسمية ايضا.

ثانياً ـ الغاء القرارات الإدارية الفردية.

درج الفقه وأحكام القضاء على التفرقة في هذا المقام على التفرقة بين القرارات الفردية التي ترتب حقوقًا للأفراد وتلك القرارات التي لا تولد حقوقا للأفراد.

أ ـ  القرارات الادارية المشروعة :

الأصل أن الإدارات العامة لا تملك حق الغاء القرارات الإدارية الفردية إذا ما صدرت سليمة ومشروعة وترتب عليها حق مكتسب أو مركز خاص للأشخاص، باستثناء الحالات التي يجيزها القانون.

اما القرارات الادارية التي لا ينشأ عن تطبيقها حقوق مكتسبة فيجوز للإدارة الغاؤها في أي وقت تحقيقاً لمقتضيات المصلحة العامة ومن هذه القرارات :

- القرارات الولائية : وهي القرارات التي ترتب للأشخاص مجرد رخص او منح على سبيل التسامح من الإدارة، ولا تترتب على مثل هذه القرارات أية حقوق مكتسبة لمن صدرت لصالحه، وللادارة إلغاؤها في أي وقت، ومن أمثلتها تراخيص الإقامة للأجانب.

- القرارات الوقتية: وهي القرارات التي تصدر لتطبق خلال فترة زمنية محددة بطبيعتها ولو لم يذكر اجل لانتهائها في متن القرار، ومن ثم يمكن الغاؤها في أي وقت، ومن ذلك قرارات التوكيل وقرارات الانتداب للموظفين، فليس للوكيل أو المنتدب ان يتمسك بحق مكتسب بالنسبة للوظيفة التي وكل بها او انتدب اليها، ومن ذلك قرارات الاعتقال الادارية تطبيقاً لمقتضيات قوانين الطوارئ أو القوانين العرفية.

-   القرارات السلبية وقرارات الرفض: يتحقق القرار السلبي ضمناً عندما تسكت الادارة عن اتخاذ قرار بشأن معين من واجبها ان تتخذه بموجب القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة ،وقد ينص القانون صراحة على ان سكوت الادارة عن اتخاذ قرار من واجبها او من صلاحيتها ان تتخذه يعتبر رفضاً. وفي حالة عدم وجود مثل هذا النص فان سكوتها يعتبر قبولاً من وجهة نظرنا.

-   القرارات بفرض جزاءات إدارية: كالقرار الصادر بفرض عقوبة ادارية على موظف ، والقرار الصادر بغلق محل لمدة عام ...، فللإدارة الغاء مثل هذه القرارات بعد صدورها مباشرة او بعد فترة معينة من صدورها وقبل نهاية المدة المحددة في القرار.

-       القرارات غير التنفيذية: وهي قرارات تصدر تمهيداً لإصدار قرار معين.

ومن ذلك قرار سحب يد الموظف اثناء التحقيق معه، والقرارات التي لا تعد نافذة الا بمصادقة السلطة الرئاسية التي تتبعها جهة الإصدار، والقرارات التي تصدر بصدد التمهيد لإجراء عقد مع جهة معينة وقرارات الاعلان عن الوظائف الشاغرة أو المقاولات العامة..... وهذه القرارات لا يترتب عليها حق مكتسب للأشخاص وللادارة الغاؤها في أي وقت تشاء.

فهذه القرارات جميعًا يمكن للإدارة العدول عنها وإلغاؤها بالنسبة للمستقبل في أي وقت ودون التقيد بميعاد معين .

ب ـ القرارات الادارية غير المشروعة.

للإدارة ان تلغي قراراتها الادارية غير المشروعة كجزاء لعدم مشروعيتها ،

الا انه ينبغي التمييز بين القرارات الادارية الفردية غير المشروعة التي لم تترتب عليها حقوق مكتسبة وتلك القرارات التي رتبت مثل هذه الحقوق.

بالنسبة للنوع الاول فللإدارة إلغاؤه في أي وقت.

اما القرارات الادارية غير المشروعة التي ترتبت عليها حقوق مكتسبة فان إلغاؤها مقيد بان يصدر الالغاء خلال الفترة المحددة للطعن بالقرار الإداري أمام القضاء، لأنه بفوات هذه المدة يتحصن القرار ضد الإلغاء القضائي،  أي انه لا يجوز إلغاؤها الا خلال ستين يوما من تاريخ صدورها وهي المدة المحدد للطعن أمام القضاء الإداري، اذ انها بعد مرور هذه الفترة تتحصن ضد الالغاء القضائي فمن باب أولى ان تتحصن ضد الإلغاء الإداري ،اذ ليس من المقبول أن يباح للإدارة ما لا يباح للقضاء , مما يتعين معه حرمان الإدارة من سلطة إلغائه بفوات مدة الطعن المقررة قانوناً . ومن ناحية أخرى فان احترام الحقوق المكتسبة هو من مقتضيات الأمن القانوني والاجتماعي وتحقيق استقرار المعاملات.

اذ ليس من مقتضيات الأمن الاجتماعي والعدالة ان يصدر قرار اداري بتعيين موظف مثلا، لتأتي الادارة بعد سنوات من اصداره وتلغي قراراها بتعيينه بداعي عدم مشروعية إصداره بخطأ من الادارة ، ومن ثم تسترد منه رواتبه وامتيازاته وما يترتب عليه من تحطيم حياته الاجتماعية وحياة أسرته، ما لم يكن القرار قد صدر بناءاً على غش وتدليس أو تزوير من الموظف ذاته كما سنوضح ذلك لاحقاً.

ويلاحظ تطبيقاً لذلك ان تغير القوانين والأنظمة والتعليمات لا يمس الحقوق المكتسبة ، فقرار تعيين موظف في وظيفة معينة لا يتأثر بعد ذلك بتغير الشروط القانونية لشغل هذه الوظيفة حتى لو فقد الموظف بعد تعيينه بعض شروط الوظيفة التي شغلها، فلو اشترط القانون لوظيفة معينة حصول المتقدم على الشهادة الإعدادية في الأقل وتعين عدد من الموظفين على أساس من هذه الشروط ثم صدر قانون جديد يشترط في المتقدم لذات الوظيفة ان يكون حاصلاً على الشهادة الجامعية الأولية في الأقل فان ذلك لا يمس المراكز القانونية لمن سبق له التعيين وفق شروط القانون القديم تطبيقاً لمبدأ عدم جواز الأثر الرجعي للقانون واحتراماً للحقوق المكتسبة.

وإذا كان من المسلم به فقها وقضاءا انه لا يجوز الرجوع في القرار الاداري الا ان ذلك لا يعني خلود هذا القرار بل ان أثار القرار تنتهي من خلال القرار المضاد وفقا للشروط التي ينص عليها القانون .

ومن ذلك ان الادارة تستطيع ان تنهي اثار قرار تعيين موظف من خلال القرار المضاد ، مثلا بإحالته على التقاعد أو فصله أو عزله ولا يكون ذلك إلا وفقا للقانون .

الفرع الثاني : السحب الاداري

يراد بسحب القرار الإداري انهاء القرار بأثر رجعي من تاريخ صدوره واعتباره كأن لم يكن.

وهذا يعني ان السحب الإداري كالإلغاء القضائي من حيث الأثر , إذ يترتب عليه إنهاء جميع الآثار القانونية المترتبة على القرارات الإدارية اعتبارًا من تاريخ صدورها , وفي هذا المجال يجب التمييز بين سحب القرارات الإدارية المشروعة وسحب القرارات الإدارية غير المشروعة.

ـ سحب القرارات المشروعية .

القاعدة العامة المستقرة فقهًا وقضاءً أنه لا يجوز سحب القرار الإداري المشروع سواء كان القرار تنظيمياً او فردياً, حماية لمبدأ المشروعية وضماناً للحقوق المكتسبة للافراد، ولضمان الاستقرار في الأوضاع القانونية وتطبيقًا لمبدأ عدم الرجعية القرارات الإدارية، ومفاد ذك ان القرار الصادر بسحب القرار الاداري يتضمن أثرا رجعياً وهذا غير جائز حسب الأصل.

غير أن القاعدة لا تجري على إطلاقها, ذلك ان قاعدة عدم جواز سحب القرارات الادارية المشروعة لم تتقرر الا حماية للحقوق التي نشأت واكتسبها الأفراد من جراء تطبيقه، ومن الناحية المنطقية اذا لم تترتب على القرار أية حقوق أو ميزات فلا تعد هنا جدوى من التمسك بتطبيق هذه القاعدة ومن ثم جاز سحبها في أي وقت، ومن أمثلة ذلك:

أ ـ القرارات التنظيمية التي لم تنفذ بقرارات فردية تكسب الأفراد حقوقاً معينة.

ب ـ القرارات الفردية التي لم تترتب عليها حقوق مكتسبة للافراد، كسحب قرار اداري صدر بإبعاد أجنبي عن البلاد، وسحب القرار الاداري الذي صدر بفرض عقوبة انضباطية على موظف مادام لا يمس حق مكتسب منه لموظف اخر.

ج ـ القرارات الإدارية الخاصة بفصل الموظفين : لاعتبارات تتعلق بالعدالة أجاز القضاء الإداري فرنسا ومصر سحب قرار فصل الموظف , على ان لا يؤثر قرار السحب على حقوق الاشخاص المكتسبة جراء تنفيذ قرار الفصل، كما لو تم تعيين موظف أخر لشغل الوظيفة.

2. سحب القرارات الإدارية غير المشروعة .

القاعدة المستقرة في القضاء الإداري ان من واجب الإدارة ان تسحب قراراتها غير المشروعة في أي وقت أو بناءاً على تظلم، احتراماً للقانون ولمبدأ المشروعية في العمل الاداري.

وعلى ذلك يجب أن يكون القرار موضوع السحب غير مشروع بأن يكون معيبًا بأحد عيوب القرار الإداري.

والمدة المحددة للسحب، هي المدة المقررة لرفع دعوى الالغاء ، فإذا انقضت هذه المدة تحصن القرار ضد الالغاء القضائي وضد السحب الاداري ما دامت قد ترتبت عليه حقوق مكتسبة للافراد، وبهذا الصدد يقول استاذنا الدكتور عصام البرزنجي (... اذ ليس من المنطق في شيء ان يتحصن القرار ضد الالغاء القضائي بعد فوات المدة المقررة لرفع دعوى الالغاء ويبقى محلاً للسحب الاداري. لان ذلك يؤدي الى عدم استقرار المراكز القانونية الى أمد غير محدد) .

ويلاحظ ان أحكام القضاء قد راعت ما يلي بشأن سحب قرارات الادارية:

ـ سحب القرار المنعدم: القرار الإداري المنعدم هو قرار شابه عيب جسيم بشكل واضح يجرده من صفته القانونية. كصدور قرار اداري من موظف لا يملك أصلا حق اصدار قرارات ادارية، او اصدار الإدارة لقرار هو من اختصاص القضاء أو من اختصاص السلطة التشريعية.

والقرار المنعدم هو بمثاب عمل مادي لا عمل قانوني ومن ثم يجوز سحبه في أي وقت , كما يجوز لصاحب المصلحة في الطعن أن يلجأ إلى القضاء الاداري او العادي، حتى في الدول التي تأخذ بنظام القضاء المزدوج لأنه لا يعد قرار اداري، طالبًا إلغاء القرار المنعدم دون التقيد بمواعيد رفع دعوى الإلغاء .

ب ـ سحب القرار الاداري جزاء لعدم المشروعية لا لعدم الملائمة: سحب الادارة لقراراتها مرهون بان تكون قراراتها معيبة بعدم المشروعية لا بعدم الملائمة، فالقرار المشروع غير الملائم او الذي يصبح غير ملائم بعد فترة من الزمن لا يجوز سحبه احتراماً للحقوق المكتسبة للافراد.

ب- سحب القرار الإداري الذي صدر بناء على غش أو تدليس من ذوي الشأن:

القاعدة القانونية المستقرة من عهود الرومان والتي تطبق دون حاجة للنص عليها في التشريعات، هي ان الغش يفسد كل شيء. فان صدر القرار الاداري بناء على استخدام طرق احتيالية مادية او معنوية ومثال الطرق المادية تقديم وثائق مزورة ومثال الطرق المعنوية تقديم معلومات كاذبة من المستفيد من القرار بقصد تضليل الادارة وخداعها وحملها على اصدار القرار، أو تعمد صاحب الشأن كتمان معلومات أساسية لم تكن الادارة تتخذ القرار اذا كانت عالمة بها أو الا يكون هناك مصدر رسمي أو عرفي اوجب القانون على الادارة اللجوء إليه قبل اصدار القرار وفي مثل هذه الأحوال وغيرها التي تقوم على الغش والتدليس فإن للإدارة أن تسحب القرار دون التقيد بمدة السحب لأنه لا يوجد ما يبرر حماية المركز القانوني للمدلس او المزور .

ويلاحظ انه لاعتبار القرار قد صدر بناءاً على غش أو تدليس او تزوير فيجب ان تتوفر شروط تحققهما المنصوص عليها في القانون المدني او في القوانين الجزائية حسب الأحوال.

ـ ليس للإدارة سحب قراراتها المبنية على أساس غلط شائع، لان الغلط الشائع يقوم مقام القانون. (2)

ـ حق الإدارة في سحب قراراتها غير المشروعة مقيد بالفترة المحددة لرفع دعوى الالغاء، وللادارة ان تلجأ الى سحب القرار بعد رفع الدعوى وأثناء نظرها على ان يكون السحب في حدود الطلبات المقدمة في الدعوى.

ـ للإدارة أن تسحب قراراتها الإدارية التي لم تنشر أو لم تعلن سواء كانت مشروعة او غير مشروعة لانها لا تكون نافذة بمواجهة الاشخاص عامة أو خاصة الا بالنشر أو الاعلان.

عدم رجعية القرارات الادارية:

 الأصل ان القرارات الادارية أيا كان نوعها يجب ان تطبق بأثر مباشر ولا تتضمن أثرا رجعيا . وسبب عدم جواز الرجعية يعود لاعتبارات قانونية ومنطقية ، منها :

أ ــ نص الدستور والقوانين النافذة على انه ليس للقوانين اثر رجعي ويترتب على ذلك ان ليس للقرارات الإدارية اثر رجعي لانها أداة تنفيذ تلك القوانين وهي أدنى منها درجة في سلم التدرج القانوني فلا يمكن ان يكون لها ما ليس للقوانين.

فالقاعدة العامة ان القرارات الإدارية بكل أنواعها يجب ان تطبق بشكل مباشر ولا تتضمن اثرا رجعيا لأنه لا يجوز المساس بالحقوق المكتسبة إلا بقانون يتضمن الأثر الرجعي ، أي في حالة نص القانون على الأثر الرجعي لنفاذه وفقا للضوابط الدستورية وجاءت القرارات الإدارية تنفيذا لمقتضاه ،

ب ـ  ان هذا ما تقتضيه العدالة الطبيعية ومبدأ استقرار المعاملات والصالح العام اذ ليس من العدل اهدار الحقوق  ولا يتفق والمصلحة العامة ان يفقد الناس الثقة والاطمئنان على استقرار حقوقهم مما يقتضي ان يكون التنظيم للمستقبل مع ترك الآثار التي تمت في الماضي على ما هي عليه .

وهذا خلاف الإلغاء القضائي الذي يكون بأثر رجعي نتيجة الحكم ببطلان القرار الإداري لمخالفته للقانون فيزال كل اثر له.

 يتضح ان الأصل هو عدم جواز الأثر الرجعي للقرار الإداري الا انه يرد على هذا الأصل استثناءات محدودة منها جواز الأثر الرجعي بنص تشريعي او تنفيذا لحكم قضائي بالإلغاء ويرى بعض الفقهاء جواز رجعية القرارات الإدارية التنظيمية اذا تضمنت أحكاما أصلح للأفراد حتى لو لم تتعلق بعقوبة معينة  .

 

 

 

المطلب الثالث: دعوى الالغاء القضائي

 يقصد هنا بإلغاء القرار انهاء اثار القرار القانونية بالنسبة للمستقبل وبأثر رجعي . والاثر الرجعي اثر من اثار الحكم بالبطلان وفي هذا يقول فقهاء القانون ( ينبغي ان لا يضار التقاضي بسبب بطء التقاضي ) مما يقتضي اعادة الحال الى ما كانت عليه قبل اصدار القرار.

  ودعوى الغاء القرار الاداري دعوى قضائية بكل معنى الكلمة، وهي من حيث نشأتها وتطورها من خلق القضاء ، كما ان لهذه الدعوى  صفة عامة ، اي انها دعوى القانون العام يمكن ان توجه ضد اي قرار اداري دون حاجة الى نص خاص ، واذا نص القانون على ان قراراً إداريا لا تسمح الدعوى بشأنه فأن ذلك لا يشمل دعوى الالغاء ما لم تستبعد بشكل صريح.

وأساس قيام دعوى الالغاء هو فكرة  عدم المشروعية والتي تظهر عند مخالفة الادارة لقاعدة قانونية وتوجه نحو القرار الاداري المخالف للقانون بقصد الغائه .

وتعد دعوى الالغاء من النظام العام ، أي انها قائمة دون حاجة لنص يقررها اذ يمكن رفعها ضد اي قرار اداري معيب ، وللقاضي ان يثيرها من تلقاء نفسه ولو رفعت الدعوى بشأن عيب اخر ، كما انه لا يقبل من احد ان يتنازل مقدماً عن حقه في استخدام هذه الدعاوي وكل تنازل من هذا القبيل يعتبر باطلاً.

كما انها دعوى موضوعية ( عينية ) ،أي انها دعوى القضاء الموضوعي ، بمعنى ان هذه الدعوى لا يراد بها اساسا  الاعتراف بحق شخصي وحمايته ، وإنما تهدف الى حماية  قواعد قانونية وتعمل على ازالة مخالفتها حتى لو حققت لأصحاب الشأن حماية مراكزهم القانونية ومصالحهم الذاتية ، فالهدف الرئيس لدعوى الالغاء هو حماية النظام القانوني ومبدأ المشروعية  .

  وتعرف دعوى الالغاء بأنها : هي تلك الدعوى التي يستطيع كل فرد صاحب مصلحة ان يلتجأ اليها ليطلب من القضاء الاداري الغاء قرار اداري تنفيذي استناداً الى عدم مشروعيته .

وتختص محكمة القضاء الاداري في العراق بنظر دعوى الغاء القرار الاداري بصفة عامة بينما يختص مجلس الانضباط العام بنظر دعاوى الغاء القرارات الادارية المتعلقة بتطبيق قانون الخدمة المدنية للموظفين.

ولما كانت عناصر القرار الاداري هي الاختصاص والشكل والسبب والمحل والغرض او الغاية ،فإن اشكال عدم المشروعية التي تعيب القرار الاداري هي :-

1ـ عدم المشروعية التي تتعلق بالجهة التي تصدر القرار ( عدم الاختصاص).

2ـ عدم المشروعية التي تتعلق بالأشكال والإجراءات (عيب الشكل ).

3ـ عدم المشروعية التي تتعلق بأسباب القرار.

4ـ عدم المشروعية التي تتعلق بمحل القرار. ( عيب مخالفة القانون).

5ـ عدم المشروعية التي تتعلق بالغرض(عيب الانحراف بالسلطة).

وكلما افتقد القرار الشروط القانونية اللازمة لإصداره بالنسبة لكل عنصر من عناصره فأن ذلك يعد  سبباً كافياً لطلب الالغاء امام القضاء.

وينص قانون مجلس الدولة المصري رقم (47) لسنة 1972، على انه)... ويشترط في طلبات الغاء القرار الاداري النهائية ان يكون مرجع الطعن عدم الاختصاص او عيباً في الشكل او مخالفة القوانين او الأنظمة والتعليمات أو خطأ في تطبيقها أو الإساءة في استعمال السلطة(  ويذهب جانب من الفقه المصري الى ان هذا النص يحدد أوجه الالغاء بالأوجه التالية:-

    1- عيب الاختصاص . 2- عيب الشكل .  3- مخالفة القانون. 4- إساءة استعمال السلطة.

وفي العراق تنص ( م- 7 /2/هـ ) قانون مجلس شورى الدولة المعدل رقم 65 لسنة 1979 على ما يأتي:- " يعتبر من أسباب الطعن بوجه خاص ما يأتي ":-

أولا : ان يتضمن الأمر أو القرار خرقاً أو مخالفة للقانون أو الأنظمة أو التعليمات .

ثانيا : ان يكون الأمر أو القرار قد صدر خلافاً لقواعد الاختصاص او معيباً في شكله .

ثالثا : ان يتضمن القرار خطأ في تطبيق القوانين او الأنظمة او التعليمات او في  تفسيرها أو فيه إساءة أو تعسف في استعمال السلطة".

 وفي تطور قانوني مهم نص المشرع الدستوري في دستور العراق لسنة 2005 في المادة (100) منه على انه:  ( يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار اداري من الطعن .) ، وهذا يعني الغاء جميع الاستثناءات الواردة على ولاية القضاء الاداري سواء وردت في قانون مجلس شورى الدولة او التي كانت تزخر بها القوانين العراقية والتي قيدت نطاق الطعن الى ابعد الحدود حتى أصبح الأصل هو عدم جواز الطعن والاستثناء جوازه ، مما يعني ان الطعن بالقرار الاداري أصبح حقاً دستورياً وامرأ متاحا وممكنا لأي مواطن عراقي ايا كانت جهة أصدراه ومهما علت مرتبة مصدره في الدولة. 

*******

1ـ يرتبط الحق المكتسب بمبدأ عدم رجعية القانون للماضي ومبدأ امن وسكينة المجتمع برابطة وثيقة وهما اللذان يوفران له الأساس القانوني للحماية وتقوم فكرة الحقوق المكتسبة في الغالب على أساس حق سواء كان مصدره  مشروعاً او غير مشروع عند نشأته ولكنه يتحول إلى حق مشروع بفعل عامل الزمن في الغالب تطبيقاً لمبدأ قانوني كلي هو مبدأ استقرار المعاملات وامن المجتمع الذي يتقدم عند التعارض على مبدأ العدل القانوني والحق الطبيعي، ومن ذلك كسب حائز العقار ولو كان متعدياً لملكية العقار بالتقادم،حيث تفضل مصلحة الحائز على مصلحة المالك الشرعي تطبيقا للمبدأ المذكور، ومن ذلك تحديد مدد الطعن بالقرارات القضائية والإدارية، فلا يستطيع من تعرض لقرار جائر ان يطعن به الا خلال مدد محددة وبخلافه يسقط حقه بالطعن، ومقابل ذلك لا تستطيع الإدارة ان تلغي قراراتها غير المشروعة التي تولدت عنها حقوق مكتسبة للآخرين الا خلال المدد المحددة للطعن القضائي، لأنه بفوات المدة ليس للقاضي ان يلغي قراراً إداريا ولو كان غير مشروع ومن باب أولى ان لا يكون للإدارة ما ليس للقضاء.

وقد اعترفت الشريعة الإسلامية في مواضع كثيرة بالحقوق المكتسبة قبل الإسلام:

قال تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ....(الآية) إلى قوله تعالى (... وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيما ً) (النساء:23)

 (2) ـ الغلط الشائع يقوم مقام القانون ، مبدأ قانوني مهم وراسخ تاريخياً ، متفرع من نظرية الأوضاع الظاهرة ،التي تستند الى مبدأ امن واستقرار المعاملات في المجتمع ، فاذا شاعت فكرة مغلوطة بين الناس وترتب عليها نشوء قواعد سار عليها افراد المجتمع ونظموا شؤونهم ومصالحهم على اساسها فإنها تصبح كالقاعدة القانونية ، فان جاء احدهم وخرج على تلك القاعدة ، استحق الجزاء المترتب على مخالفة القانون ولا يقبل منه احتجاجه بانها قاعدة مغلوطة. ومن تطبيقات ذلك ما نصت عليه المادة (384) مدني عراقي، من اعتبار الوفاء للدائن الظاهر مبرئاً لذمة المدين ، واعتبار تصرفات الوارث الظاهر صحيحة ونافذة في مواجهة الوارث الحقيقي ، فاذا وضع شخص يده على تركة متوفي باعتباره وارثاً وتصرف بأموال التركة للآخرين حسني النية ، ثم تبين انه ليس بوارث ،في هذه الحالة تبقى التصرفات التي أجراها صحيحة ، ومن تطبيقات حماية الوضع الظاهر قاعدة ( الحيازة في المنقول سند الملكية ).

 2009

المصادر العلمية

ـ د. علي محمد بدير، د. عصام عبد الوهاب البرزنجي، د. مهدي ياسين السلامي, مبادئ وأحكام القانون الإداري، ،المنهج المقرر لكلية القانون جامعة بغداد ،الناشر العاتك لصناعة الكتاب ـ القاهرة، توزيع المكتبة القانونية ـ بغداد. طبعة سنة 2007.

ـ انس جعفر، استاذ القانون العام، القرارات الإدارية،الناشر دار النهضة العربية,الطبعة الثانية 2005.

ـ الدكتور سليمان الطيماوي ، النظرية العامة للقرارات الادارية ، مطبعة جامعة عين شمس ، الطبعة السادسة 1991  .

ـ الدكتور سليمان الطيماوي ، مبادئ القانون الاداري ، القاهرة 1978 .

ـ الدكتور ابراهيم عبد العزيز شيحا ، القضاء الاداري ، منشأة المعارف في الاسكندرية ، طبعة 2006.

ـ الدكتور شاب توما منصور ، القانون الاداري ، 1980 .

ـ د. سمير تناغو ، القرار الاداري مصدر للحق، دراسة في القانون المدني ، منشأة المعارف ـ الاسكندرية 1972 .

ـ د. محمود محمد حافظ ، القضاء الاداري في القانون المصري والمقارن ،  دار النهضة العربية، طبعة  1993 .

ـ د. عادل سيد فهيم ، القوة التنفيذية للقرار الاداري ، الدار القومية للطباعة والنشر .

ـ د.عبد المنعم محفوظ، علاقة الفرد بسلطة الحريات العامة وضمانات ممارستها، دار الهناء للطباعة، القاهرة.

ــ الدكتور ثروت بدوي  مبادئ القانون الاداري 1966.

ــ الدكتور طعيمة الجرف – القانون الاداري والمبادئ العامة في تنظيم ونشاط السلطات الادارية – دار النهضة العربية 1978 . 

ــ  الدكتور عبد الغني بسيوني – القانون الاداري – منشأة المعارف 1991.

ــ  الدكتور سامي جمال الدين – اللوائح الادارية – منشاة المعارف – الاسكندرية 1984 .

***********

فارس حامد عبد الكريم العجرش الزبيدي

ماجستير في القانون

نائب رئيس هيئة النزاهة سابقاً                               

باحث في فلسفة القانون                          

والثقافة القانونية العامة

    بغداد ـ العراق     

   البريد:                                                             

farisalajrish@yahoo.com     

موقعنا: الثقافة القانونية للجميع

http://farisalajrish.maktoobblog.com/

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق